الأحد , 13 سبتمبر - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

حرب بلا أخلاق وعالم بلا ضمير، المصالح فوق المبادئ..السودان إلى أي مسار يتجه؟

عبدالله بشير

عبدالله بشير

كنت أتحدث مع أحد الرفاق المنخرطين في المقاومة الشعبية، في إحدى المقاهي الشعبية الطرفية في مدينة الدمازين، وكان الحديث يدور حول الحرب الدائرة الآن، ومآلاتها وتأثيرها على حياة السودانيين ومستقبلهم. أثناء ذلك سألنا رجل من عامة الناس كان جالسًا بالقرب، عن ماذا تريد الدول التي تدعم التمرد منا؟ أجبته بأنها تبحث عن مصالحها ومصالح وكلائها الغربيين في المنطقة؛ قال: طيب “الكاهن” يقصد عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة، ما يتفاوض مع الأمريكان ديل مباشرةً. قلت له: للتو فعل ذلك. وكان يومها رئيس مجلس السيادة قد نشر مقالًا في صحيفة “وول ستريت جورنال”، حول حقيقة الحرب في السودان، ورسم فيه بعض الخطوط التي تشير إلى تحول محتمل قد يحدد اتجاه سير السودان مستقبلًا.

منذ ثلاث سنوات يخوض السودان والسودانيون حربًا ضروسًا، تعتبر الأسوأ في تاريخه، على الأقل بالنسبة للأجيال الحالية والأجيال التي سبقتها. بالطبع هي ليست أول حرب تشهدها البلاد، ولكن نرجو أن تكون هي آخر الحروب. وقد جاءت هذه الحرب كما هو معلوم نتيجة لانقسام سياسي وعسكري حاد داخل جسد الدولة، في ظل تراكم سياسات أمنية واقتصادية ودبلوماسية خاطئة ورثتها البلاد من الأنظمة التي حكمتها سابقًا. وعندما تعقدت الأمور وبلغت ذروتها عجزت النخبة التي بيدها زمام الأمور عن السيطرة ومعالجة الخلافات؛ فكانت الحرب.

هذه حرب مختلفة عن كل الحروب التي خاضتها البلاد من قبل، وإن كانت الحروب هي الحروب، في مأساتها وعذابها والدماء التي تسيل فيها. ولكن يأتي اختلافها في أنها اندلعت من داخل عاصمة البلاد، والطرف الثاني فيها كان يمسك بملفات أمنية كبيرة داخل الدولة، ويتمتع بوضع اقتصادي مريح آنذاك، وكذلك التدخل الكبير والواسع من الخارج لتغذيتها، وباستخدام أيادي الداخل لتنفيذ مراميها. بالطبع لم يجد الخارج طريقه نحو تحقيق مطامعه إلا باستخدام الداخل، وبدون أن يجد مدخلًا وفره له الداخل نفسه لم يكن ليتمكن من فعل ما فعله. وشكلت عاصفة الحزم التي شارك فيها السودان إحدى تلك الثقوب التي تسللت عبرها الأيادي الخارجية. وقتها كان النظام السابق في عزلة تامة، بعد سلسلة من السياسات والأخطاء الدبلوماسية والحسابات الأمنية الخاطئة، التي تدفع البلاد ثمنها اليوم. وجد النظام في ذلك سبيلًا للخروج من تلك العزلة، وكان الدعم السريع من ضمن تلك القوات السودانية التي شاركت، حيث منحتها تلك المشاركة مدخلًا مناسبًا استخدمته في توسيع نفوذها وتقوية شوكتها. وعندما اندلعت الحرب كانت قد صنعت لنفسها وجودًا ودعمًا خارجيًا ما زال مستمرًا حتى اللحظة، وهذا ما ينبغي أن يُراجع مستقبلًا حتى لا يتكرر ما حدث الآن.

يقع السودان في منطقة جيوسياسية بالغة الحساسية، وبها وجود أمريكي دائم لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال؛ حيث تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، مستفيدةً من عدة عوامل مكنتها من السيطرة على الثروات النفطية الهائلة لدول الخليج، وأصبحت فيما بعد القوة العالمية الوحيدة التي لها اليد العليا في المنطقة، عبر التفوق الصناعي والعسكري والعبقرية التكنولوجية، باستخدام البحث العلمي والمعاهد العلمية والتمويل السخي من الدولة ومن الشركات الخاصة التي تبحث عن فرص الحصول على الأرباح والتفوق على المنافسين. فقد تم تطوير العديد من الأبحاث وإنجاز الابتكارات الجديدة، من بينها بالطبع الأسلحة الحديثة الفتاكة، التي بموجبها ضمنوا التفوق العسكري، ثم عبر السيطرة على الموارد الاقتصادية والصناعات التي ضمنت لهم التفوق الاقتصادي. والتفوق العسكري والاقتصادي ميزة مهمة مكنتهم من السيطرة على معظم دول العالم بطريقة مريحة جدًا بالنسبة لهم.

على مر العصور كانت المصالح الاقتصادية والوصول والسيطرة على مواقع الثروات هي المحرك الأساسي للحروب والنزاعات في العالم. وعندما تحرك المستعمرون الأوروبيون وسيطروا على البلدان التي استعمروها وطردوا سكانها الأصليين وعرضوا الذين بقوا منهم لنظام قاسٍ من الاضطهاد العنصري، في أستراليا ونيوزيلندا والكونغو وغيرها من المستعمرات، والقضاء على السكان الأصليين في تسمانيا تمامًا إلى آخر رجل وامرأة وطفل، وأخذ القلائل الذين بقوا على قيد الحياة إلى معسكر اعتقال إنجيلية، لكي يتعلموا تعاليم المسيح، والتعرف على طرق العالم الحديث. ومعظمهم بعد ذلك فقد الرغبة في الحياة وفضل الانسحاب منها ببطء، هكذا انتهى بهم المطاف.

كان الدافع الأساسي لكل تلك الجرائم والمآسي هو المصالح الاقتصادية، والذي فعل ذلك كان يذهب إلى الكنيسة كل أحد ويصلي باسم الرب، ويتصدق للفقراء والمساكين، دون أن يهتم بما يحدث في البلاد التي يحتلها من قتل وتشريد وإبادة، طالما الأرباح تأتي كما ينبغي والمال يتدفق عبر عقود الاستيراد والتصدير والصناعة، وطالما مصالحه المادية تسير على ما يرام. وكما لا أحد يكترث بما يحدث في الفاشر أو الجنينة أو زالنجى، من جرائم قتل واغتصاب وتهجير وإبادة، ذلك كله عبارة عن “collateral damage” للهدف الأكبر والأسمى، وهو الحصول على عقود المعادن النفيسة، والسيطرة على الأراضي الخصبة الغنية. والذي يمول ذلك يذهب إلى الجامع ليصلي الأوقات الخمسة، ويدعو الله أن يدخله الجنة مع الصديقين والشهداء والصالحين، ثم على عجل يكمل صفقة شحنة أسلحة حديثة، وإرسالها إلى جبهات القتال في دارفور، قبل أن يلتحق بطائرته المتجهة إلى دبي أو لندن أو نيويورك، لعقد مزيد من الصفقات فوق دماء وأشلاء أهل الفاشر والجنينة وبابانوسة.

كان القرن العشرين مليئًا بالأحداث الكبرى التي شكلت العالم الذي نعيش فيه اليوم، من الحرب العالمية الأولى، ثم الثانية، وتلتها فترة القطبين الكبيرين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، ثم انهيار الاتحاد السوفيتي لاحقًا في بداية التسعينات. وبصعود الرأسمالية كنظام اقتصادي مهيمن، والديمقراطية الليبرالية كنظام للحكم، أصبحت المصالح المجردة هي التي تحكم اللعبة العالمية، بذلك واصلت الدول المتقدمة نهب ثروات الدول الأقل نمواً، لكن بنهج جديد يعتمد على الاتفاقيات الاقتصادية الحصرية والمشتركة والتبادل التجاري، وغالبًا ما يصاحب ذلك اتفاقيات عسكرية (التبادل العسكري) وهو شكل من أشكال الحماية في الظاهر، لكنه في الخفاء وسيلة لتأمين منهوبات المستعمر الجديد، وكذلك يوفر سوقًا للمنتجات العسكرية لتلك الدول. وفي بعض الدول نشاهد تواجدًا عسكريًا (قواعد عسكرية) لحماية مصالح القوة العظمى بطريقة أخف وطأة من الاستعمار؛ كما هو الحال في دول الخليج.

بالطبع بعض الدول رفضت الصيغة الجديدة التي يسميها البعض “بالاستعمار الحديث”، فسعت جاهدة للحفاظ على استقلال قرارها السياسي والاقتصادي دون تبعية لأي دولة من الدول العظمى، لكن في كثير من الحالات، خاصة تلك الدول التي تتمتع بثروات كبيرة، لم يتحقق المسعى؛ فسرعان ما وجدت الدول الكبرى ذريعة للتدخل في تلك البلدان بمحاصرة ذلك البلد وعزله من النظام العالمي عبر العقوبات وغيرها من أدوات الضغط، وإذا لم يستجب، يتم ذلك عبر التدخل لتغيير تلك الأنظمة، واستبدالها بأنظمة سياسية موالية لها، من لدن فيتنام إلى محاولات الإطاحة بنظام الحكم في كوبا، إلى هايتي والعراق (صدام حسين) وليبيا (القذافي)، وصولًا إلى محاولات الإطاحة بنظام مادورو في فنزويلا يوم الناس هذا، من قبل إدارة الرئيس ترامب الحالية في الولايات المتحدة.

من لم يأتِ بالتعاون الاقتصادي والعسكري الذي وضعته هذه القوى، سوف يأتي بطرق أخرى. في مقال له بعنوان “الإمبريالية الجديدة وتسليح الاستثمار في إفريقيا” تساءل البروفيسور التجاني عبدالقادر: بعد مرور قرابة المائتي عام على الهرولة الإمبريالية الأولى على إفريقيا.. هل ما يحدث الآن يمكن أن نسميه هرولة إمبريالية أخرى، وهل سيعود المهرولون القدامى أم سيظهر على المسرح الإفريقي «مهرولون جدد»؟ وتناول في المقال دور دولة الإمارات العربية المتحدة في تسليح الاستثمار في إفريقيا، وهو توجه غير خافٍ على أحد، وجاء بنماذج: ليبيا، تشاد، إثيوبيا، والسودان. وفي كل هذه البلدان تعمل الإمارات بصورة مريبة لضمان مصالحها الاقتصادية، وفي كل تلك البلدان مدت حلفاءها بالمال والسلاح والمرتزقة.

نجد أنه في حالة السودان لم يعد الأمر فقط مد الحليف بالمال والسلاح، بل وفرت المستشارين والمدربين، والقواعد العسكرية، ومنصات إطلاق الطائرات المسيرة الحديثة وأنظمة الاتصالات الحديثة وأنظمة التشويش عالية الجودة، ونقل الأسلحة عبر طائرات الشحن الكبيرة على مرأى ومسمع من العالم، وتوفير السكن والعلاج وتذاكر السفر لقادة التمرد وأتباعهم من مكان لآخر. ولا يخفى قادة البلاد ذلك حيث يتحدث المسؤولون في الدولة كأنهم قادة سودانيون، يتحدثون عن أنهم يريدون نظامًا ديمقراطيًا في السودان، وأنهم مع الحكم المدني، ويتهمون الجيش السوداني بأنه ضد التحول الديمقراطي، وهو الذي بدأ الحرب من أجل عودة أتباع النظام السابق إلى السلطة، ويقدمون دعمًا دبلوماسيًا وغطاءً إعلاميًا للقوات المتمردة بطريقة لا يمكن حتى وصفها، ويعرقلون كل الجهود الدولية التي تعمل على تحميل المليشيا مسؤولية عنفها وجرائمها. والمثير للسخرية أن الإمارات التي تريد إقامة ديمقراطية وحكم مدني في السودان، منذ تأسيسها قبل خمسة عقود تقريبًا، تحكمها عائلة واحدة، والسودانيون الذين تعمل الإمارات على جلب الديمقراطية لهم صوتوا في عدد من الانتخابات لاختيار قادة دولتهم، وثاروا على ثلاث نظم عسكرية دكتاتورية وأسقطوها في هذه الخمسة عقود؛ فمن هو الذي يحتاج حقًا إلى الديمقراطية؟

المتعارف عليه على مر التاريخ أن النظم الاستعمارية عندما تريد السيطرة على بلد ما فلا بد أن تجد لها سببًا مقبولًا نوعًا ما يبرر تحريك الجيوش وإقناع الرأي العام المحلي والمحيط الإقليمي أحيانًا، والعالمي إذا لزم الأمر، بوجاهة أسباب الغزو. وغالبًا ما تفعل الدولة ذلك عبر جيشها أو عبر تحالف واسع تقوده عدة دول، إلا أنه توجد بعض الحالات التي توثق غزو بلاد أخرى والسيطرة عليها عن طريق استخدام المرتزقة. ففي العام 1568م استخدم الهولنديون مرتزقة أثناء حربهم مع الإسبان؛ حيث تم تزويد الجيوش المرتزقة بالعتاد الحربي وكل ما يلزم من أسلحة. وبموجب ذلك تمكن الهولنديون من السيطرة على طرق التجارة العالمية، وذلك جلب للهولنديين أرباحًا طائلة، جعلت أمستردام ليست فقط واحدة من أهم الموانئ في أوروبا، بل كانت قلب القارة النابض.

وأيضًا فعلت شركة الهند الشرقية الهولندية، وهي شركة تجارية، ولكن من أجل أن تؤمن مصالحها التجارية جندت مرتزقة أوروبيين ويابانيين وهنودًا وإندونيسيين وسلحت سفنها، وبموجب ذلك سيطرت هذه الشركة ومرتزقتها على جزء كبير من إندونيسيا لمدة قرنين من الزمان تقريبًا حتى العام 1800. بعد ذلك وضعت هولندا إندونيسيا تحت تاجها في 150 سنة التي تلت ذلك. والأمر المثير للدهشة أيضًا أن الشارع الأشهر الذي يحكم العالم اليوم، وول ستريت، المكان الذي تعقد فيه أهم الصفقات العالمية وحيث يدار الاقتصاد العالمي، كان يومًا ما عبارة عن مستوطنة بنتها شركة الهند الغربية الهولندية ومرتزقتها عندما كانت تحاول السيطرة على نهر هدسون، وكانت تسمى نيو أمستردام. وبعد سلسلة من الحروب استولى عليها البريطانيون وغيروا اسمها إلى نيويورك. ونجد أنه حتى الهند قبل سيطرة التاج البريطاني عليها كانت شركة الهند الشرقية البريطانية هي المسيطرة لمدة قرن تقريبًا، وبعد ذلك أصبحت تحت التاج البريطاني.

من السابق لأوانه القول إن تجنيد واستخدام المرتزقة في سبيل السيطرة على الدول الأخرى أصبحت استراتيجية معتمدة من قبل الدول الإمبريالية، إلا أن هنالك مؤشرًا على تزايد مثل هذا النوع من الوسائل، وحرب السودان الحالية وحرب اليمن وليبيا وغيرها من الحروب توضح تزايد هذا النوع من الوسائل، ولا شك إنها ترفع درجة الشكوك حول هذا التوجه في المستقبل. وفي السودان على سبيل المثال تدعم الإمارات مليشيا الدعم السريع ليست فقط كمرتزقة ووكلاء محليين لتنفيذ مخططاتها، بل تستجلب مرتزقة من دول شتى للقتال في السودان بجانب وكلائها المحليين، وقد أكدت تقارير دولية كثيرة وصور وفيديوهات أوضحت بجلاء وجود مرتزقة أجانب يقاتلون بجانب الدعم السريع. وأصبح من المستحيل السكوت على هذا السلوك، وتحت سيل من المعلومات والوثائق المؤكدة التي وفرتها جهات مختلفة، وتواصل ضغط الرأي العام العالمي، اضطرت الولايات المتحدة عبر وزارة الخارجية الإقرار بمشاركة مرتزقة كولومبيين في القتال بجانب الدعم السريع في الخرطوم وكردفان ودارفور، وارتكابهم فظائع ضد المدنيين. وبالرغم من ذلك نجد أن هنالك صمتًا مريبًا من المجتمع الدولي حيال هذه الظاهرة، حتى بعد هذا التأكيد الصريح، تتحاشى الولايات المتحدة الإشارة إلى الإمارات حليفها في المنطقة، مفضلةً الحفاظ على مصالحها.

بعد اندلاع الأزمة في السودان مباشرة في أيامها الأولى جرت عدة محاولات لإنهاء الأزمة والوصول إلى اتفاقية توقف الحرب وتعالج الأزمة السياسية التي قادت إلى اندلاعها، وكانت جدة هي المحاولة الأولى التي جاءت من قبل المملكة العربية السعودية، وربما جاءت مبادرة المملكة بحكم موقع السودان الجيوسياسي وتأثير ذلك على أمن المملكة القومي في حال امتد الصراع، بالإضافة إلى استفادة المملكة العربية نفسها من الموجود العسكري السوداني وحركة التجارة في البحر الأحمر، حيث يشارك السودان في عاصفة الحزم ويمتلك موانئ مهمة. ورأت المملكة أنه من الأفضل التدخل المبكر لوقف الحرب، لكن لم يذهب الأمر بعيدًا حينها لعدة عوامل، أهمها وضعية المليشيا بعد تمردها على الدولة، ومحاولة بعض الأطراف مساواتها بالجيش تحت توصيف خاطئ “حرب الجنرالين”، وكانت المليشيا ترى نفسها أنها متفوقة على الجيش السوداني في الميدان. بالتالي لم تسر الأمور كما ينبغي، واستمرت الحرب. ثم جاءت مفاوضات المنامة التي قتلت قبل أن ترى النور، والكثيرون يشككون في قيامها في الأساس، نسبة لغموضها. ومن بعد ذلك جاءت جنيف التي لم تشارك فيها الحكومة السودانية، حيث رأتها مضيعة للوقت في ظل مواصلة القوات المتمردة في حصار المدن وتجويع المدنيين، واستهداف الأعيان المدنية من مستشفيات ودور إيواء ومحطات المياه والكهرباء، بالمدفعية المدمرة بعيدة المدى والطائرات المسيرة. ثم مبادرات متقطعة هنا وهناك من الاتحاد الإفريقي وتجمع دول الإيقاد، التي جمد السودان فيها عضويته لعدم حياديتها حسب رأي الحكومة السودانية. كما أن عدة محاولات جرت لتوحيد القوى السياسية المدنية هي الأخرى أيضًا لم تنجح في توحيد القوى السياسية، المنقسمة بين القوى التي وقفت مع الدولة، والتي وقفت مع التمرد، وثالثة نعت نفسها بأنها رافضة للحرب (معسكر الحياد).

فشلت جميع تلك المبادرات في إحداث أي نوع من أنواع الاختراق الإيجابي نحو الوصول إلى رؤية موحدة، في الجانبين العسكري والمدني، لإيقاف الحرب. وهكذا استمرت الحرب بكل مرارتها ومواجعها على رؤوس السودانيين. ومع صعود الجمهوري دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة كان من المتوقع أن يلعب دورًا حاسمًا في إيقاف الحرب، لما لها من تأثير على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، بالإضافة إلى إعلان الرجل نفسه قبل فوزه بالانتخابات بأنه يسعى إلى إنهاء الحروب وإحلال السلام في العالم. بالطبع قد تكون تلك نظرة تفاؤلية أكثر من كونها تعبيرًا عن الواقع الذي يقول إن العالم لم يعش سلامًا شاملًا قط، بل إن هذه الحقبة بكل ما فيها من مآسٍ وعنف تعتبر من أقل الحقب في تاريخ البشرية حروبًا ونزاعات.

بعد أن فاز بالانتخابات وعاد إلى رئاسة الولايات المتحدة مرة أخرى بدأت إدارة الرئيس ترامب نهجها في التعامل مع الحروب وعمليات السلام والملفات الخارجية بنظرية جديدة أربكت الدبلوماسية العالمية، كما سنرى ذلك لاحقًا. ونسبة لانشغال إدارة الرئيس ترامب منذ مجيئها إلى السلطة بحروب أوكرانيا وغزة، بالتالي لم تجد الأزمة في السودان اهتمامًا كبيرًا كما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في إحدى مقابلاته التلفزيونية، حيث ركزت إدارته جهودها على إنهاء الحروب آنفة الذكر، وتركت ملف السودان كما اتضح لاحقًا بعد زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وطلبه من الرئيس ترامب أن يولي اهتمامًا بملف السودان. حينها عرف الجميع أن ملف السودان كان يدار بعيدًا عن الدوائر الرئيسية لصنع القرار داخل الإدارة الأمريكية، وخيرًا فعل ولي العهد السعودي أنه وضع ملف السودان على طاولة الإدارة الأمريكية بعد أن كان متروكًا إلى لوبيهات أدنى تتلاعب به كيفما تشاء حسب تقديراتها.

بدا واضحًا أن هنالك نوعًا من التفاؤل الحذر حول إمكانيات التوصل إلى سلام في السودان بعد التدخل المباشر من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وتأتي أهمية المملكة العربية السعودية ليس فقط لأنها المركز الديني الأعظم لحوالي اثنين مليار مسلم حول العالم، بل تعتبر الشريك الاقتصادي الأبرز للولايات المتحدة في الوقت الراهن، ومن حلفائها المقربين في الخمسة عقود الماضية، ومن الأنظمة السلطوية التي تدعمها الولايات المتحدة وتوفر لها الحماية. وحتى عندما أقدمت إدارة الرئيس بوش الابن على التخلي عن سياسة الولايات المتحدة في المنطقة القائمة على دعم الأنظمة السلطوية الحليفة لها، وإن كانت لا تفي بالمعايير الديمقراطية، لم تحاول الولايات المتحدة التأثير على تغيير شكل الحكم في المملكة العربية السعودية، أو دعم أو تشجيع الجماعات الديمقراطية في البلاد.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي ضربت الولايات المتحدة وأحدثت هزة داخلية عميقة، دفعت إدارة بوش للقيام بإجراء تعديلات في سياسات الولايات المتحدة الخارجية القائمة على دعم النظم السلطوية، والتي أعلنتها وزيرة الخارجية الأمريكية حينها كوندليزا رايس، في محاضرة شهيرة ألقتها في جامعة القاهرة في العام 2005م، حيث ذكرت أن بلدها، الولايات المتحدة الأمريكية، ظل يدعم الأنظمة السلطوية في المنطقة في الخمسة عقود الماضية، مفضلًا الاستقرار على الديمقراطية، لكن هذا الأمر لم يستمر بعد الآن، ويجب على الأنظمة في المنطقة أن تتحول إلى أنظمة ديمقراطية منتخبة من الشعب، وأن يفسح المجال للجماعات الديمقراطية والمدنية أن يكون لها دور فعال في رسم مستقبل المنطقة. وهذا الحديث أغضب الرئيس الهرم “Ageing president” كما تسميه، الرئيس حسني مبارك. وبعد ست سنوات من تلك المحاضرة بالفعل تمت الإطاحة بنظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وأنظمة سياسية أخرى في المنطقة، بدعم من الولايات المتحدة للجماعات الديمقراطية بما عرف بالربيع العربي. ولكن يبدو أن إدارة الرئيس ترامب الحالية عادت إلى السياسات القديمة للولايات المتحدة القائمة على دعم الأنظمة السلطوية. وأول ما فعله ترامب في هذا الشأن هو إيقاف تمويل منظمات المجتمع “NGOS” التي كانت بطريقة أو بأخرى تُغذي الجماعات الديمقراطية، وذلك بإيقاف العديد من أنشطة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.

أيضًا يُلاحظ أن هنالك تبدلًا واضحًا في سياسة الولايات المتحدة الخارجية وشكل تحالفاتها في الخارج؛ حيث ظلت أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الحليف الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة. وكل الأحداث التي تلت تلك الحقبة بما فيها الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي وتراجع المد الاشتراكي، ظلت أوروبا تحجز دومًا المقعد الأول إلى جانب الولايات المتحدة. لكن الجميع شاهد بذهول كيف استقبل الرئيس ترامب زعماء أوروبا في البيت الأبيض، وكيف عاملهم، بالمقابل كيف استقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان “استقبالًا أسطوريًا”، وقبله الطريقة المحترمة التي استقبل بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وقبلهما الاستقبال الدافئ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدو أوروبا اللدود. بالطبع حتى وإن لم يكن تحولًا كليًا للولايات المتحدة في شكل تحالفاتها، إلا أن هنالك مؤشرًا يشير إلى أن واقعًا جديدًا بدأ يتشكل، وقائم في الأساس على المصالح وليس المبادئ.

لم يقتصر التغيير في شكل التحالفات والمصالح على هذا الشكل المنظور، وإنما تعدى ذلك إلى طرق بناء أو صناعة السلام. وقد جاء الرئيس ترامب بنهج جديد في تسوية النزاعات، مختلف تمامًا عن المنهج المألوف في تسوية النزاعات وبناء السلام القائمة على بعض الركائز المتعارف عليها مثل: التفاوض على وقف إطلاق النار، ثم توصيل المساعدات الإنسانية في حالة الحاجة إلى ذلك، تليها المفاوضات السياسية وتشكيل حكومة انتقالية، وبعثات حفظ السلام في بعض التسويات. فما جاء به الرئيس ترامب مختلف تمامًا عن ذلك. وفي مقال له بعنوان (the New Art of the Peace Deal. Adam “ay) ذكر خبير النزاعات في الأمم المتحدة أن اتفاقيات السلام التي يتم التوصل إليها من قبل إدارة الرئيس ترامب مختلفة بشكل واضح في عدة جوانب رئيسية؛ فهي من قائد إلى قائد، وأحادية الجانب بشكل كبير، تتجاوز المؤسسات الإقليمية والدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وهي مؤسسات بنت خبرة طويلة في عمليات التفاوض وبناء السلام. لقد اختفت مجموعات الاتصال والوسطاء الإقليميون واللجان المشتركة التي كانت تحدد عمليات السلام ذات يوم. وأضاف أنه يتم التفاوض على الصفقات في واشنطن، ويتم الترويج لها على أنها “تاريخية” وتسويقها كأرباح متبادلة.

تتعامل إدارة الرئيس ترامب مع اتفاقيات السلام كأنها صفقات تجارية، بين شركاء تجاريين وليس أعداء مختلفين في قضايا كبيرة؛ صفقة الكروت على حد قول الرئيس ترامب نفسه لرئيس أوكرانيا زلينسكي، في معرض محاولته للضغط على الأخير لقبول الصفقة التي يريد الرئيس ترامب إبرامها مع روسيا لإنهاء النزاع بينهما؛ فإذا لم يكن لديك كروت يعني أنت لا تملك قرارك، ويجب عليك أن تقبل ما يعرض لك. والصفقات الاستثمارية بدلًا عن المفاوضات التقليدية التي تقوم على قيم واضحة ومبادئ سياسية وشروط مراعاة حقوق الإنسان، والتحول الديمقراطي، والعدالة الانتقالية، وغيرها من أركان بناء السلام؛ حيث أكد المبعوث الخاص للبيت الأبيض ستيف ويتكوف هذا التوجه عندما ذكر أنهم يريدون أن تصبح الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا شركاء تجاريين بدلًا من أعداء. وفي معرض نقده للنظام الرأسمالي وتوحشه وراء الأرباح وصف كارل ماركس ذات يوم الحكومات الغربية بأنها أصبحت اتحادًا تجاريًا رأسماليًا وليست دولًا، وقد يصح هذا القول اليوم أيضًا.

تدخل الرئيس ترامب في مسألة السودان قد يشكل مدخلًا جيدًا ومختلفًا لعرض مسألة السودان عند دوائر صنع القرار في واشنطن، بالرغم من أن الكثيرين يشككون في أن يؤدي نهج الرئيس ترامب الجديد إلى صنع سلامًا دائمًا، بينما يجادل آخرون بالقول إن هذا النهج يعتبر شكلًا من أشكال الواقعية العملية التي تعكس اللحظة الجيوسياسية. ويبدو لي أن رئيس المجلس السيادي في السودان عبد الفتاح البرهان قد ذهب في اتجاه الرأي الثاني، في مقاله الذي نشره في صحيفة “وول ستريت جورنال”، حيث أكد الرئيس البرهان على ضمان أمن المنطقة ومصالح الولايات المتحدة. ولتطمين واشنطن أكثر أشار إلى انضمام السودان للاتفاقيات الإبراهيمية، ويعني الإشارة إلى إسرائيل، ولوح بقبول نهج ترامب الجديد في تسوية النزاعات القائم على الصفقات، بتأكيده أن السودان يريد أن يكون شريكًا قويًا للولايات المتحدة، وأن الشركات الأمريكية سوف يكون لها دور في إعادة الإعمار والاستثمار والتنمية طويلة الأمد.

ختم الرئيس البرهان مقاله قائلًا: بأن السلام لا يُبنى على الأوهام، بل على الحقيقة، والحقيقة التي يجب أن نقبلها، لقد أصبحت المصالح هي المحرك الأساسي للعلاقات بين الدول، تجسيدًا لمقولة “لا توجد صداقة دائمة ولا عداوة دائمة بل هنالك مصالح مشتركة”، ولم تعد للمبادئ والقيم الإنسانية والأيديولوجيا دورًا في إدارة اللعبة العالمية وتحديد مقعد الدول. وأن واقعًا جيوسياسيًا وأمنيًا معقدًا يحيط بالبلاد يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية للتعامل معه، ويحتاج إلى قوة اقتصادية وعسكرية للنجاة والعيش بكرامة، وذلك ما لا يمكن أن يتحقق بدون التعامل مع الواقع بواقعية. والواقع معقد للغاية، ويعيش السودان الآن في مفترق طرق تاريخي. وبالرغم من الثمن الباهظ الذي دفعوه في هذه الحرب، وإفشالهم لمخطط إخضاع بلادهم لسيطرة المستعمر، وذلك بالوقوف خلف مؤسسات دولتهم العسكرية والمدنية، عليهم الوقوف أيضًا خلفها بنفس القوة إذا اختارت طريق التعامل مع الواقع والتعاون من أجل المصالح العليا، والوقوف خلف المؤسسات الوطنية في حالة السلم أيضًا، قوة أخرى تضاهي تلك التي اجتمعت في أوقات الحرب.