بابنوسة: رحلة النزوح المرير لـ 50 ألف نسمة
بقلم: محمد بدوي
أغسطس 30، 2025 (الخرطوم) – تقع مدينة بابنوسة على بعد حوالي 679 كيلومتراً من الخرطوم، وهي إحدى محليات ولاية غرب كردفان. ورغم بعدها الجغرافي، إلا أنها تُعتبر جزءاً من الشريط ذي الطبيعة الاستوائية، وهو ما يظهر جلياً في اسمها الذي يُعد اشتقاقاً لغوياً من انتشار أشجار “الأبنوس” النادرة. يقدر عدد سكانها بنحو 50 ألف نسمة، كانوا يقطنون في 24 حياً سكنياً.
وقد أسهم موقعها الاستراتيجي وطبيعة علاقات الإنتاج فيها في أن تصبح مقراً لمصنع ألبان بابنوسة، الذي افتتحه المارشال جوزيف بروز تيتو، رئيس يوغوسلافيا الاشتراكية، عام 1960 في عهد الرئيس إبراهيم عبود. كان هذا المصنع هو الأول من نوعه لإنتاج الحليب المجفف في أفريقيا والشرق الأوسط، قبل أن تطاله سياسات الإغلاق التي فرضتها حكومة الإسلاميين في عام 1990، في مصير مشابه للعديد من المشاريع القومية. كما كانت المدينة مقراً لشركة “شيفرون” النفطية في الثمانينيات عند بدء عمليات استكشاف البترول، بينما كان المصفى يقع في منطقة أبو جابرة، إحدى إدارياتها.
تاريخياً، تُعد بابنوسة المحطة الثانية في شبكة سكك حديد السودان بعد رئاسة الهيئة في عطبرة بولاية نهر النيل، فهي حلقة وصل محورية تربط الشمال عبر الخط القادم من الشرق، والممتد غرباً والمتفرع جنوباً. يمكن تلخيص حالها اليوم في برقية متخيلة من ناظر محطتها: “إلى رئاسة السكك الحديدية بعطبرة… لم يعد أحد في المدينة، فتوقف القطار”.
سياسياً، تحتل بابنوسة مكانة بارزة في ذاكرة المقاومة السلمية. ففي عام 2014، شهدت المدينة اعتصاماً تاريخياً استمر لثلاثة أشهر، للمطالبة بتحسين الخدمات الأساسية كالصحة، خاصة مع ظهور أمراض مزمنة تأثراً باستخراج النفط وتأثيره البيئي، بالإضافة إلى التعليم وفرص التوظيف في ولاية تزخر بالثروة الحيوانية وحقول النفط والصمغ العربي والكركدي. حفّز هذا الاعتصام قيام اعتصام آخر في مدينة لقاوة المجاورة في العام ذاته بمطالب شبه متطابقة. إلا أن الرقابة القبلية على الصحافة آنذاك حدّت من ذيوع صيت الحدثين، وتعرض صحفيون ورؤساء تحرير للملاحقة ببلاغات جنائية، كان أبرزها ضد صحيفة “الميدان” ورئيسة تحريرها الأستاذة مديحة عبد الله.
اقتصادياً، اكتسبت بابنوسة أهميتها من الأوضاع السياسية والعسكرية، حيث كانت محطة تجارية حيوية تربط الشريط الحدودي بين الشمال والجنوب خلال فترة الحرب الأهلية بين الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان. أما عسكرياً، فقد أهلّها موقعها لتكون مقراً للفرقة 22 مشاة التابعة للجيش.
منذ الأسبوع الأخير من يناير 2024، ومع بدء هجوم قوات الدعم السريع عليها، شرع سكانها في نزوح جماعي بحثاً عن الأمان. كان الجيش يستهدف أي موقع محتمل لوجود الدعم السريع، بما في ذلك مناطق داخل الأعيان المدنية، بينما كانت قوات الدعم السريع تمارس انتهاكات ضد المدنيين لإجبارهم على المغادرة، ووصم كل من يقرر البقاء بأنه “متعاون”. أدت ممارسات الطرفين إلى سلسلة من الانتهاكات التي دفعت سكان المدينة البالغ عددهم 50 ألف نسمة إلى الفرار، لتصبح أحياؤها الـ 24 خالية تماماً من المدنيين، الذين تحولوا إلى نازحين، مع لجوء أعداد أقل إلى دولة جنوب السودان المجاورة.
أصبح النزوح المر بوصلة الفارين من جحيم حرب خبروها على مدى خمسة عقود. خرج المدنيون صوب مدن وحواضر غرب كردفان الأخرى كالمجلد والدبيبات وستيت وكجيرة، وكانت مدينة الفولة محطتهم الأولى. ولكن مع هجوم الدعم السريع على الفولة، نزحوا مرة أخرى نحو مدينة النهود في رحلة ثالثة، لم تدم طويلاً قبل أن يهاجمها الدعم السريع أيضاً، ليضطروا للنزوح للمرة الرابعة نحو الأبيض، عاصمة شمال كردفان، في تكرار مأساوي لرحلات نزوح أهالي دارفور خلال الفترة (2023 – 2024).
ترك السكان خلفهم كل ممتلكاتهم وذكرياتهم، بما فيها عشقهم لكرة القدم الذي تشهد عليه أنديتها التي تجاوزت 25 نادياً، واحتضانها لأول اتحاد محلي لكرة القدم في غرب كردفان.
حتى الآن، لا يزال مقر الفرقة 22 مشاة تحت سيطرة الجيش، رغم استمرار هجمات الدعم السريع عليه. وقد اعتمدت الفرقة في صمودها على القصف المدفعي وزرع الألغام الأرضية حول محيطها. تمثل بابنوسة اليوم حالة صارخة لتحول مساكن المدنيين إلى قواعد عسكرية، مما يعيد طرح سؤال جدوى الحرب وماهيتها، ويثير بقوة ضرورة وقفها، خاصة وأن روابط الدم تجعل من المتقاتلين في الطرفين أخاً أو ابن عم.
أخيراً، تجسد بابنوسة نموذجاً للهدر الإنساني المرتبط بالسياسات العسكرية والتنموية الفاشلة في سجل السودان ما بعد الاستقلال، كما تقدم حالة عالمية لمدينة أُفرغت بالكامل من سكانها المدنيين بسبب القتال خلال حرب أبريل 2023، في ظل عرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
