الثلاثاء , 18 أغسطس - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

حكومة التعايشي الافتراضية متاهة جديدة في الأزمة السودانية(8)

الصادق علي حسن

الصادق علي حسن

أزمة اللبس وعدم التفريق ما بين هياكل وأجهزة الدولة وممارسة الأنشطة في الدولة

هنالك جدل في الوسائط حول موقفي القائد عبد العزيز الحلو ود. محمد يوسف أحمد يوسف المصطفى، أنصار تأسيس يصفونهما بالانحياز للهامش وقضاياه ويمجدانهما بذكر سجلهما الطويل في الكفاح من أجل قضايا إزالة التهميش وتحقيق الدولة العلمانية، أما أنصار الجيش وحلفاؤه فيخصونهما بالنقد الشديد. للقائد الحلو تقديراته التي تحدث عنها وصارت معلومة للمراقب بالضرورة. الحلو، منذ أن آلت إليه مقاليد قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، ظل مقاتلًا وسط جنوده في جنوب كردفان، وكان ذلك منذ انضمامه للحركة الشعبية بقيادة د. جون قرنق. وحتى حينما ظهرت لديه ما دفعه للاعتكاف بأمريكا، ثم عاد منها إلى السودان في ظل شراكة حزبه مع المؤتمر الوطني بموجب اتفاقية نيفاشا، ظل ملتزمًا بخط حركته، كما ويحظى بمساندة القوى الرئيسة في الحركة الشعبية شمال التي صارت تحت قيادته بجنوب كردفان والنيل الأزرق. وتسيطر الحركة التي يقودها على أراضٍ معتبرة في المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق)، وقد صارت الحركة الرئيسة في المنطقتين المذكورتين.

ولكن لا يزال الحلو معتقلاً لنفسه في دائرة رفع شعار الدولة العلمانية، ولا توجد له أفكار مطروحة عن ماهية هذه الدولة العلمانية ونظمها وهياكلها، وهو يخلط ما بين الدولة الحديثة التي تنشأ على أركان ثلاثة هي (الأرض، الشعب، والسلطة ذات السيادة) والأنشطة.

فالدولة الحديثة المنشأة بقواعد القانون الدولي المنشئ للدولة القُطرية المحمية بالقانون الدولي تقوم على الأركان الثلاثة المذكورة، وليست على الأنشطة. العقائد الدينية والوضعية هي عبارة عن أنشطة، سواء تم تطبيقها ديمقراطيًا أو ديكتاتوريًا من خلال آليات الأنشطة الانتخابية أو الثورات أو الانقلابات العسكرية، والأنظمة التي تمارس أنشطة الحكم الديمقراطي المدني أو الديكتاتوري العسكري أو الملكي تتغير بتغير الأنظمة الحاكمة، وتتعاقب أجيال شعوب الدولة لتأتي بالأفكار الجديدة. هكذا هي سنة الحياة، وتحدد الأجيال ما يناسبها في كل حقبة زمنية (اختيارًا أو قهرًا)، من خلال الأنظمة المدنية أو العسكرية التي تباشر إدارة الدولة، بتفويض انتخابي أو دونه.

د. جون قرنق لم يعتقل نفسه في دائرة أفكار وضعية معينة، بل كان ينتج فكره، كما ولم يزعم أنه لوحده يملك الفكر أو الحل أو يصنعه لوحده، وظل يردد بأن برنامجه عبارة عن إجراءات، وأن الوصول إلى نتائجها بمشاركة كل المجتمع في تحقيق أهداف المساواة والعدالة الاجتماعية وتحرير الإنسان من التسلط عليه باستغلال الدين أو الفكر. لم يعتقل قرنق نفسه في معسكر الشرق والشيوعية، وذهب إلى معسكر الغرب والكنيسة ولم يعتقل نفسه عندهما، كما وذهب إلى معاقل حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة وتأثير البارونة كوكس والكنائس العالمية. لم يعادِ قرنق الإسلام أو يتآمر عليه كما يزعم خصومه، كانت لديه رؤية حول كيفية تقنين ممارسة الأنشطة بحرية داخل الدولة، فالعقائد السماوية أنشطة يمارسها الإنسان بالتدين في دور العبادة، ويتساوى المواطنون في ممارسة الحقوق الأساسية التي تكفل (حرية الاعتقاد، حرية التفكير، حرية التنظيم، حرية التعبير).

تكمن أصل الأزمة حين يعتقل الشخص نفسه في دائرة اتهام الغير بالتآمر على الاعتقاد السماوي أو الوضعي، كما تربّت العقلية السودانية المأزومة بنظرية المؤامرة. فلكل أدواته ووسائله في التعبير عن مطالبه في إطار الدولة، وستظل أسباب الحروب قائمة ومتوالدة طالما ظلت هنالك منظومة محتكرة لشأن إدارة الدولة، وتحاول أن تفرض أنشطتها على الآخرين، سواء كانت عقائد دينية سماوية أو نظريات إنسانية.

إن البندقية إذا صارت ضرورة للتعبير من أجل كفالة الحقوق، لن تصبح للكفاح عن المطالبة العادلة، حيثما وُجّهت، وعلى فوهتها شروط تبني شعارات أنشطة عقائدية دينية أو علمانية الدولة. إن تحول شعارات الهوس الديني (ظاهرة حركة الإسلام السياسي) في السودان إلى مبررات من أجل الاستيلاء على السلطة، هو أزمة السودان التي نتجت عنها انفصال جنوب السودان، واتجاه المتبقي من السودان إلى التجزئة والتقسيم. كما أن الأزمة المقابلة لظاهرة حركة الإسلام السياسي، هي أزمة هوس شعارات العقيدة الوضعية المتمثلة في ظاهرة شعارات العلمانية التي تحولت لدى أمثال القائد الحلو إلى عقيدة يسعى ليفرضها على الغير من خلال فوهة البندقية، بمثل شعار إزالة التهميش الذي يرفعه ليبرر لنفسه تحالفات الأضداد في تحالف تأسيس، بحجة إعادة الدولة لنظام العلمانية ومنصة تأسيس. وقد تلابس عليه الأمر وما الفرق بين أجهزة الدولة وأنشطة مواطنيها، كما ظل ذلك التلابس يلازم نخب الهامش الجدد ودعاة الدولة العلمانية والدولة الدينية على السواء.

الدكتور محمد يوسف أحمد المصطفى عضو في مجلس تأسيس الرئاسي.

لم أرصد مؤخرًا أي تصريحات للدكتور محمد يوسف أحمد المصطفى، لقد تعرفت على الدكتور محمد يوسف أيام مناهضة النظام البائد واشترك في أنشطة نظمتها هيئة محامي دارفور ضمن برامج تعلية قدرات الشباب والطلاب وتقديم المحاضرات. الرجل بلا شك له مواقف مبدئية مهما كان الاختلاف معه في وجهات النظر والمواقف.

وحينما تولى تكليف منصب وزير الدولة بوزارة العمل بموجب اتفاقية سلام نيفاشا، تعامل مع التكليف بمثل مسؤولية المهام العامة كما في موقع عمله الرئيس بجامعة الخرطوم محاضرًا، وبعد انتهاء ظرف التكليف عاد إلى مقر عمله بالجامعة. وفي العودة إلى مهنته الأصلية لم يمارس السياسة للتكسب، ولم ترد عنه أي أقوال أو إشاعات تمس ذمته المالية أو أي شبهة تعامل غير سليم في العمل العام أو في الوظيفة العامة.

قبل نشوب الحرب العبثية الدائرة تواصلت معه أكثر من مرة، وكان يتواجد بالقاهرة يتلقى فيها العلاج، كما وكان يحرص على الرد لكل من يتصل به. إن تجربة محمد يوسف تشير إلى أنه قد انضم للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة قرنق، وقد ظل باقيًا فيها ولم يتزحزح عن قناعة بالقضايا، وإن قد انفصل جنوب السودان، فالهامش هامش، والقضية إنسانية لا ترتبط بمن يحملها إذا ذهب أو انفصل أو تخلى عنها.

في آخر اتصال لي بالدكتور محمد يوسف قبل الحرب وهو في مكان استشفائه بالقاهرة، قال لي إن شباب الثورة هم المؤتمنون على البلاد، وقد انتهى دور النخب. كما قال بضرورة الثقة في شباب الثورة الذين ضحوا بأرواحهم، ولا توجد في تجارب البلاد منذ استقلالها مثل تجربة شباب الثورة والاعتصام وتضحياتهم. وأن جيل الاستقلال كان في أعمارهم ونال التأهيل التعليمي ووظيفة “الأفندية” وتجربته في زمانه. كما أن التأهيل والخبرة والتجربة مسألة نسبية محكومة بظروف زمانها. لذلك يجب عدم تضخيم دور نخب السياسة، فالدور الذي قام به شباب الثورة لم يسبقهم فيه أحد، ومسألة الخبرات تُكتسب، والأهم الإيمان بالقضايا والاستعداد لتحمل ضريبتها. ونخب السياسة لا يقومون بذلك، بل يتخذون من تضحيات الشباب سُلّمًا للسلطة.

الآن في قيادة تحالف تأسيس، نخب الهامش لا تختلف عن نخب المركز في شيء سوى الجهة. إن عضوية مجلس سيادة تأسيس قد لا تمثل أي إضافة للدكتور محمد يوسف في شيء، بل قد تنتقص من مكانته لدى من يحترمونه ويخالفونه في تقديراته في هذا الشأن العام. وأين الموقف الآن وإنسان نيالا يعيش في المعاناة، وفلول المؤتمر الوطني يفرضون عليه سطوتهم بلا فكر، وشعارات جوفاء “إنهاء دولة 56″، وقد تحولت مراكز الفلول بنيالا من مؤتمر وطني وحركة إسلامية، كما وقد تغيرت صفاتهم إلى دعم سريع وتأسيس.

أزمة، وقد صار مثل د. محمد يوسف أحمد المصطفى جزءًا منها ويبرر لها.