السبت , 12 سبتمبر - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

حكومة التعايشي الافتراضية متاهة جديدة في الأزمة السودانية

الصادق علي حسن

ماهية الوثائق التي سيتقدم بها رئيس وزراء تأسيس للأمم المتحدة أو الإتحاد الإفريقي أو للدول منفردة ليطالب بالإعتراف بحكومته (1) 

الصادق علي حسن

متاهة جديدة 

السودان منذ إعلان استقلاله من المستعمر الثنائي الإنجليزي المصري في 1956، دخل في لجج الصراعات السياسية والحزبية الداخلية المستمرة ، بدأت الصراعات الحزبية على تقسيم الدوائر الإنتخابية، والتنافس المحموم بين الأحزاب وداخلها في الترشيحات للإنتخابات العامة التي جرت في نوفمبر 1953، بعد أن صدر قانون الحكم الذاتي وتقرير المصير ،وصار نافذا ، وكان حاكم عام السودان السير روبرت جورج هاو قد وضع تقريرا بما انتهت إليه اللجنة الدولية التي شكلها برئاسة الخبير القانوني القاضي ستانلي بيكر من توصيات، وأقرت الجمعية التشريعية تقرير لجنة ستانلي، بتعديل الدستور في 23 ابريل 1952 ، واصبحت صيغة المشروع النهائية (مشروع قانون الحكم الذاتي وتقرير المصير) وأرسل الحاكم العام السير جورج هاو في 28 مايو 1952 المشروع المذكور لحكومتي إنجلترا ومصر، للموافقة عليه أو الرد بأي مقترحات لازمة ، كما وقرر الحاكم العام مهلة فترة ستة أشهر لحكومتي دولتي الحكم الثنائي للرد وإلا أصبح مشروع القانون نافذ المفعول ، لربما يسأل سائل ، كيف يكون لحاكم عام السودان وقتذاك سلطة تحديد مهلة زمنية لدولتي الحكم الثنائي بالموافقة على المشروع أو الرد بمقترحات خلال فترة زمنية معينة وإلا صار مشروع القانون نافذا ، وهو نفسه يتم تعيينه بتسمية من ملك دولته بريطانيا ويقوم بتعيينه في منصبه كحاكم عام للسودان حاكم مصر بحسب نصوص إتفاقية الحكم الثنائي الخديوي (الذي تسمى بالسلطان فالملك) ، نجد الإجابة على السؤال الافتراضي في مذكرات السير جيمس روبرتسون آخر سكرتير إداري في السودان وآخر حاكم عام لمستعمرة نيجيريا ،والذي عمل بالسودان لثلاثة عقود وتجول في كل انحائه وهي من أطول الفترات التي قضاها موظف إنجليزي بالسودان ، في مذكراته تحت عنوان (التحول في إفريقيا من الحكم المباشر إلى الاستقلال)، كتب (كانت مستعمرة السودان تتبع لوزارة الخارجية البريطانية بخلاف كل المستعمرات البريطانية الآخرى التي كانت تتبع لوزارة المستعمرات البريطانية ولم تكن لوزارة الخارجية البريطانية نظم أو خطط عمل محددة فيما يتعلق بإدارة المستعمرات وكانت المهام في السودان بين الوزارتين ، لذلك كانت للموظفين البريطانيين بالسودان سلطات شبة مطلقة لعدم وضوح الرؤية عند السلطات التي يمكن الرجوع إليها في كثير من الأحيان ، وكان الموظفون البريطانيون الذين يعملون بالإدارة من مفتشي مراكز ، وحكام مديريات ” مديري مديريات ” يقومون بتفيذ السياسة المرسومة إليهم مباشرة في المكان الأول الذي يمثلون فيه جهازا سياسيا قبل ان يكونوا جهازا للخدمة المدنية ) .، وبالنظر فيما ورد في مذكرات السكرتير الإداري الأشهر الذي مر على السودان، ذلك ما يبرر قيام مفتش مركز نيالا الإنجليزي بمركز نيالا في تاربخ سابق بدعوة نواب جنوب دارفور في إجتماع بمزرعة بمنطقة دوماية غربي نيالا لتبني مقترح تأجيل إعلان إستقلال السودان من داخل البرلمان حينما صار الأمر وشيكا، وذلك دون الرجوع للحاكم العام في الخرطوم ، وفي تاربخ سابق لذلك في 1952، كانت الحكومة المصرية برئاسة رئيس وزرائها نجيب باشا الهلالي امتنعت عن الرد بشأن الموافقة على مشروع قانون الحكم الذاتي وتقرير مصير السودان او تقديم تعديلات لازمة عليه ، كما وظل الملك فاروق ملك مصر يتمسك أن الأراضي السودانية جزءًأ لا يتجزأ من الأراضي المصرية ،وهو ملكا عليهما، ولم ترد الحكومة المصرية الذي قدم لها المشروع المذكور في 8 مايو 1952، وقد ظل في قيد الإنتظار حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952،وتم عزل الملك فاروق وتولى الضباط الأحرار الحكم في مصر بقيادة رئيس مجلس قيادة الثورة المصرية اللواء محمد نجيب ونائبه جمال عبد الناصر، وبعد قيام الثورة المصرية وإزاحة الملك فاروق ،كلف وزير خارجية بريطانيا سفيرها بالقاهرة بعرض خطة بريطانيا للاتفاق مع مصر على مشروع قانون الحكم الذاتي وتقرير مصير السودان، حتى لا تتأجل الإنتخابات في السودان ، ولا يتوقف العمل بالدستور هناك ، وضرورة رد الحكومة المصرية. لعب الضابط المصري الطيار حسين ذو الفقار صبري الذي كان قد عمل بالسودان وكان رئيسا لأركان حرب القوات المصرية بالسودان دورا محوريا لدى حكومته في أن تنتهز الفرصة للرد خلال المهلة المحددة وقبل إنتهائها، واقترح الإتصال بالأحزاب وزعماء الطوائف الدينية والأعيان في السودان، لبلورة رؤية داعمة للوحدة بين السودان ومصر وضمان خروج بريطانيا من السودان ، وقد فوضته القيادة المصرية الجديدة، واتصل بالأحزاب السودانية الاتحادية والانفصالية، وقامت مصر بمقترح منه بدعوة الأحزاب الإتحادية في 28 سبتمبر 1952 بقيادة الأزهري ومحمد نور الدين وأحزاب الأحرار ووحدة وادي النيل والوطني وتم تشكيل الحزب الوطني الإتحادي برئاسة السيد إسماعيل الأزهري والسيد محمد نور الدين نائبا له بحضور القيادة المصرية ، وبتكوين الحزب الوطني الإتحادي راهنت مصر على الحزب المذكور الذي تم تكوينه في القاهرة للفوز في الإنتخابات العامة، وضمان تحقيق الوحدة مع مصر فابدت مصر تعديلات على مشروع قانون الحكم الذاتي وتقرير مصير السودان، تضمنت رؤيتها أن لا تكون هنالك أي نفوذ مستقبلي لإنجلترا على السودان، كما وسعت مصر لضمان أن يتم تقرير السودان لمصيره بما يضمن قيام وحدة مع مصر ، ويتضح ذلك في تفسير الضابط المصري بلجنة الحاكم العام (1953 – 1955) حسين ذو الفقار صبري لخيار تقرير مصير السودان بانه سيكون ، بإقرار الحكم الذاتي للسودانيين ضمن الوحدة مع مصر، أو تحول الحكم الذاتي على الأراضي المشمولة بإدارة الحكم الذاتي في السودان إلى دولة منفصلة وهو ما أسماه ب (الاستقلال الاتصالي بمصر أو الأنفصالي ) ، إن هذا التوصيف يشابه حال جنوب السودان عند انفصاله عن السودان الأم ، فقد نشأت دولة جنوب السودان المنفصلة عن دولة السودان الأم لاحقا ، ضمن الأراضي السودانية التي ضمها حاكم مصر محمد علي باشا وابنائه من بعده بالتبعية الفعلية له ولابنائه من بعده والتبعية الأسمية للإمبراطورية العثمانية، ولم تكن هنالك دولة بجنوب السودان تم استعمارها من قبل الدولة الأم ، بل تم ضم الأراضي بواسطة المستعمر الخارجي المذكور . وقد نشأت الدولة السودانية بهذه التعقيدات ، لم تكن هنالك أي خطط وطنية لإدارة التعدد والتنوع الثقافي والعرقي ،وطغى التنازع السياسي على الممارسة الحزبية وعلى السلطة منذ الاستقلال وإلى اندلاع الحرب الدائرة ، وفي الممارسة العامة ، صار تكوين الأحزاب والتنظيمات السياسية، وتوظيف وشغل مؤسسات الدولة السيادية والتنفيذية ووظائف الدولة العامة الموروثة من المستعمر الثنائي الإنجليزي المصري محلا للتنافس بين الأحزاب ، وقد ظلت الوظيفة العامة التي تمت سودنتها محتكرة لنخب المركز، فظهرت قضايا وجدل الهامش والمركز ، والتحالفات السياسية والحزبية وفضها ، ثم دخلت أطراف حزبية جديدة في الصراع وتكاثرت ،فقيام حركات مسلحة ،ثم تحالفات سياسية بين أحزاب وجبهات وتنظيمات مسلحة، لقد اضرت التجارب والممارسات السياسية غير الرشيدة بالبلاد وبالنظام الديمقراطي الذي نشأت عليه الدولة ، لقد تم الإجماع داخل البرلمان على استقلال البلاد بعد أن تم إقرار استحقاق الفيدرالية لجنوب السودان ، وبموجب ذلك الاستحقاق صوت نواب جنوب السودان لاستقلال الدولة المنشئة بقواعد تأسيسها الخمس الخمس المجازة ديمقراطيا اربع منها في 19 ديسمبر 1955 والخامسة في 31 ديسمبر 1955، ايضا تجاوز البرلمان آثار تحركات مفتش مركز نيالا الإنجليزي الذي دعا نواب جنوب دارفور بالبرلمان في إجتماع اعده بمزرعة بمنطقة دوماية غربي نيالا للتقدم بمقترح لإرجاء إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان، حتى ينال ابناء دارفور التأهيل المناسب لشغل الوظائف العامة أسوة برصفائهم في الشمال ، أجمع النواب البرلمانيون على إعلان أستقلال السودان وكانت توصية اللجنة الدولية التي شكلها الحاكم العام السير روبرت جورج هاو هادية للنواب، إن توصيات اللجنة المذكورة التي شكلها الحاكم العام وأجرى تعديلات عليها ،وقد احتفظ لنفسه بحق تعيين وزيرين من جنوب السودان في إدارة الحكم الذاتي، مثلت حجر الزاوية في بناء الدولة وصياغة الشخصية السودانية ،وكان من اعضائها من السودانيين السيد محمد أحمد محجوب والأستاذ أحمد يوسف هاشم (ابو الصحف) اللذان استقالا مبكرا من عضوية اللجنة المذكورة ،وشككا في اهداف الحاكم العام، وكتب ابو الصحف أحمد يوسف هاشم أن الحاكم العام روبرت جورج هاو يريد ان يتحول إلي ملك مطلق للبلاد ،وحتى وقتذاك كانت تسمى بالأراضي الخاضعة لدولتي الحكم الثنائي الإنجليزي المصري،ولتمييزها عن الأراضي الخاضعة لفرنسا في إفريقيا الغربية تطلق عليها بالأراضي السودانية الخاضعة لدولتي الحكم الثنائي . المخضرمون من أمثال السيد محمد أحمد المحجوب القانوني الأبرز في الاستقلال كانت مجالات عملهم وفقههم في القوانين المطبقة بالمحاكم السودانية (القانون الجنائي والمدني، والإداري والشرعي ) ، ولم تكن لهم خبرة في القانون الدستوري الذي هو في جوهره وقتذاك يتمثل في اتفاقيات ومعاهدات الدول الأوربية المنشئة للدولة القطرية المحمية بالقانون الدولي بمرجعية معاهدة صلح وستفاليا 1648. لذلك كان لاغفال السودانيين وللآن لتاريخ نشأة الدولة السودانية وتأسيسها بمرجعية توصيات لجنة ستانلي بيكر الدولية التي مرت بعدة مراحل ،في خلالها تم إنتخاب برلمان سوداني بإرادة سودانية حرة ،ثم إقرار البرلمان المتخب من داخله بإرادة سودانية حرة لقواعد تأسيس الدولة، وقد صارت قواعد التأسيس هي المرجعية التعاقبية لتحديد عقد مواطنة في الدولة السودانية . إن قواعد التأسيس التي نصت على انتخاب جمعية تأسيسية منوطة بها وضع الدستور الدائم للبلاد ثمرة لجهود وعمليات متراكمة ، كما وليس هنالك في قواعد التأسيس ما تُطلق عليه الأحزاب السودانية بالمؤتمر الدستوري أو المائدة الدستورية أو التأسيس المصطلح الجديد لتحالف تأسيس .
إن أي إتجاه لأي عملية سياسية خارج قواعد التأسيس بمثابة إنهاء الحالة التعاقبية والتعاقدية للدولة القائمة ، لذلك انشاء حكومة تأسيس المعلن عنها ، يندرج ذلك النشاط ضمن إنهاء الحالة التعاقبية للدولة.

بحث النخب عن السلطة مكمن الأزمة

مكمن الأزمة والدولة السودانية في بحث النخب عن السلطة بكل الوسائل والطرق ، لدرجة رفع شعار إنهاء الدولة بزعم التأسيس، أو محاربة الفلول وقد يكون من بين رفعي الشعار المذكور الفلول أنفسهم كما في جنوب دارفور ، فأيهما المستهدف بالإنهاء ، الدولة ضحية الفلول التي هي ملكا للشعب أم الحكومات الانقلابية على الدولة ونظامها الديمقراطي ، ويبدو انه قد تشابهت البقر على دعاة هدم الدولة فلم يعودوا يفرقون بين الدولة والحكومات ، ولا بين المواطن الأعزل والحاكم المتسلط عبر جريمة الإنقلاب على النظام الدستوري ، إن الدولة مؤسسة تقوم على أسس دستورية راسخة وليست على أنشطة تنظيمات حزبية أو سياسية يمكن أن تتبدل أو تغيير، إن النخب خاصة النخب القانونية تمارس طمس الحقائق خدمة لأغراضها الذاتية او للتنظيمات التي تعمل لصالحها بدراية كانت أو بعدم دراية .

نبيل أديب دستور 1956مجرد ترجمة لتوصيات لجنة ستانلي بيكر 

الأستاذ نبيل أديب (معسكر بورتسودان) كمثال توافرت له الخبرة العملية من خلال العمل بالمحاكم لفترات طويلة قد تتجاوز نصف قرن من الزمان ، ولكن ليس بالضرورة الفقه الدستوري السليم أو على استخدام معارفه في الفقه الدستوري بصورة صحيحة، كما في حالة تجربة الوثيقة الدستورية المعيبة وكان هو من مهندسيها ، وصولا لتخريجاته للأوضاع الحالية القائمة ببورتسودان من خلال التصريحات واللقاءات الصحفية والإعلامية ، وفي معسكر تأسيس لم يظهر حتى الآن رؤية دستورية للتحالف المذكور الذي اعلن عن تشكيل مجلس سيادته برئاسة حميدتي والحلو نائبا له وحكومته الافتراضية برئاسة السيد محمد حسن التعايشي، فاين هي مقومات هذه الحكومة على الأرض، كما وأين هي وثائقها التي تعتمد عليها للحصول على الإعتراف الدولي من الأمم المتحدة أو الإتحاد الإفريقي أو منظومات المجتمع الإقليمي أو الدولي الآخرى، أو على نطاق الدول منفردة ، فما حدث من إعلان تأسبس غير محسوبة العواقب والنتائج ، ومن الذي يدفع كلفتها الباهظة على الأرض. ؟