Friday , 19 July - 2024

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

‏عدم التنسيق الإقليمي يضر بقضية السودان

د. الشفيع خضر

د.الشفيع خضر سعيد

تناولنا في مقال لنا، قبل ثلاثة شهور، بعض المؤشرات التي نراها سببا في إطالة أمد الحرب وعرقلة جهود السلام في السودان. من هذه المؤشرات:
غياب الإرادة عند طرفي القتال، وتوهم كل طرف بأنه سيقضي على الطرف الآخر بالضربة القاضية.
تاريخ الحروب في العالم، يقول أن أي مواجهات عسكرية، إذا لم تتوقف في الأيام أو الأسابيع الأولى، فسوف تستمر لفترة طويلة، وكلما إستطالت الفترة كلما تضاءلت فرص الوقف الدائم لإطلاق النار.
كلما طال أمد النزاع، كلما تزايدت أعداد المجموعات المسلحة الخارجة عن سيطرة قياداتها المركزية، وتبدأ تتصرف جزئياً مثل قطاع الطرق؛ والبعض يحاول حسم النزاعات القديمة على الموارد في منطقة معينة، وهولاء، إضافة إلى المقاتلين من خارج السودان، في الغالب يرغبون في إستمرار الحرب لأنها المصدر الذي يتكسبون منه الأموال.
إزدياد عمق الطبيعة القبلية للحرب، وعلو خطاب العنصرية والكراهية، وإنتشار القتل على أساس الهوية والإنتماء السياسي، وهذا يصعب كبحه ويطيل من أمد الحرب أو يجددها إذا توقفت ما لم تعالج الأسباب.
المنافسة السياسية والدبلوماسية بين القوى الخارجية مما أدى إلى تعدد المبادرات الدولية، وجميعها عاجز تماما عن فرض وقف الإقتتال.
تعثر وحدة القوى المدنية وعلو صوت الأجندة الأجنبية وسطها، وتفضيل بعض اللاعبين الدوليين لمجموعات مدنية معينة ودعمها مما يغذي إنقسامات القوى المدنية، ويعيق تلمسها الدرب الصحيح الذي يساعد في توقف القتال.

يوم الأربعاء الماضي أختتم في القاهرة إجتماع تشاوري حول السودان شارك فيه كل من جامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (الإيغاد )، والاتحاد الأوروبي، ومملكة البحرين (رئاسة قمة جامعة الدول العربية)، والجمهورية الإسلامية الموريتانية (رئاسة الاتحاد الأفريقي)، وجمهورية جيبوتي (رئاسة الايغاد)، بالإضافة إلى أصحاب مبادرات السلام جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية. وخلص الإجتماع إلى تقييم المشاركين لجهود مساعيهم الحميدة ومبادرات السلام التي يرعونها، كما تناول آليات التنسيق بين هذه الجهود والمبادرات الإقليمية والدولية حول السودان، وكذلك مجالات التكامل بين هذه المبادرات، والقيمة المضافة لدور الدول، وإنشاء أدوات تنسيقية عملية تعزز التنسيق والتكامل… ولكن، وفي اليوم التالي مباشرة أرسل الإتحاد الأفريقي دعواته للقوى المدنية السودانية لإجتماع تحضيري يعقد في أديس أبابا في الفترة ما بين العاشر والخامس عشر من يوليو القادم، علما بأن وزارة الخارجية المصرية أعلنت عن دعوتها لإجتماع شبيه في ذات الشهر.

أليس هذا هو عدم التنسيق والمنافسة التي أشرنا إليها أعلاه؟! أعتقد أن القوى الإقليمية والدولية إذا فعلا هي جادة في مخاطبة الأزمة السودانية والمساهمة في وقف الحرب، فلابد من أن تبادر بإنشاء منصة تنسيق دولية موحدة لجهود وقف الحرب وبسط السلام في السودان، مع توزيع واضح ومنطقي للمهام بين الأطراف الدولية والإقليمية المعنية. وفي هذا الصدد، يمكن للمبعوث الشخصي للأمم المتحدة أن يلعب دور المنسق الرئيس في هذه المنصة بين جهود الاتحاد الأفريقي، منظمة الإيغاد، منبر جدة، جامعة الدول العربية، مبادرة دول الجوار، والإتحاد الأوروبي. وبالتأكيد، فإن تمكين هذه المنصة الموحدة للقيام بدورها على النحو المطلوب، ولكي تنجح أي خطة تجترحها، فإنها تحتاج إلى دعم من أوسع قاعدة شعبية سودانية، كما تحتاج إلى تحديد الأولويات الصحيحة التي تهم الشعب.

لكن، لا أعتقد أن الأولوية الآن هي محاولة جمع المدنيين السودانيين في هذه العاصمة أو تلك لتوحيدهم وبحث قضية الحرب سياسيا، رغم أهمية ذلك وضرورته، فالسياسة ليست هي المدخل الوحيد، وربما ليست المدخل الصحيح، أو الأولوية، في حالة السودان الراهنة. وأي محاولات لتناول قضية الحرب بمعزل عن المعاناة المأساوية التي يصل جحيمها الشعب السوداني، ستكون تغريدة خارج السرب. إن المدخل الصحيح، والأولوية القصوى الآن، لمعالجة الوضع الكارثي في السودان ليس العملية السياسية، وإنما تنفيذ الأجندة الإنسانية ومعالجة المعاناة واستخدام الإطار القانوني الدولي (مسؤولية الحماية) لضمان حماية السكان المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية لهم، ولمنع أي توجهات محتملة للقيام بإبادة جماعية كما حدث في الجنينة ويتخوف من حدوثه في الفاشر. وهكذا، فإن الإطار المنطقي، كما نراه، لمعالجة أزمة الحرب في السودان هو: إعطاء الأولوية للأجندة الإنسانية وضمان حماية المدنيين، مع التشديد على أن ملف الأجندة الإنسانية وحماية المدنيين لا يقبل التسييس ولا المساومة، وينبغي ألا تكون المساعدات الإنسانية رهينة لدى الأطراف المتحاربة.

فرض وقف إطلاق النار الفني والحفاظ عليه، وذلك وفق الآليات المعمول بها إقليميا ودوليا وفي إطار القانون الدولي.

بذل كل الجهود الممكنة لرتق النسيج الاجتماعي وتقليل الاستقطاب الاجتماعي والعرقي والسياسي. يلي ذلك، وكمرحلة أخيرة: الإنخراط في عملية سياسية شاملة ذات طبيعة تأسيسية للدولة السودانية، ومن تصميم وإدارة وقيادة القوى المدنية السودانية، وصولا إلى فترة إنتقالية تأسيسية لا مجال فيها للطرفين المتحاربين ولا للأطراف الأجنبية، ويهيمن عليها شعار الثورة الرئيس: العسكر للثكنات والدعم السريع ينحل.

أخيرا نكرر ما قلناه في أكثر من مقال سابق من أن الإنتهاكات الفظيعة في السودان لن تردعها الإدانات وبيانات الشجب، بل تستوجب أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته في حماية السكان المدنيين السودانيين، بدءا بإستخدام الصلاحيات المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة لفرض وقف إطلاق النار وتوصيل المساعدات الإنسانية للسكان خاصة النازحين واللاجئين، حظر دخول الأسلحة الى السودان، إصدار عقوبات دولية على الدول التي تدعم استمرار الحرب في السودان وتمكن استمرار حدوث هذه الجرائم والانتهاكات في خرق فاضح لقرارات الشرعية الدولية، توسيع نطاق عمل وولاية لجنة التحقيق الدولية التابعة لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وإلزام الأطراف المتحاربة بقبولها والسماح لها بالوصول غير المشروط إلى جميع مناطق السودان للتحقيق في الانتهاكات التي تم ارتكابها خلال هذه الحرب.

القدس اللندنية