Sunday , 27 November - 2022

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

موقع الحزب الاتحادي الديموقراطي في الوضع السياسي الحالي

أمجد فريد

 اصابع حميدتي، طه عثمان الحسين، قوى الحرية والتغيير واخرين

أمجد فريد الطيب

لعل عودة مولانا محمد عثمان الميرغني، زعيم طائفة الختمية، ورئيس الحزب الاتحادي الديموقراطي الاصل، وما صاحبها من نزاع في مراسم استقباله في المطار بين قسمي الحزب، وانتهى بمغادرة ابنه محمد الحسن، والامين السياسي للحزب ابراهيم الميرغني لمراسم الاستقبال، تاركاً الاستقبال للقسم الذي يقود ابنه الاخر جعفر، وما تلا ذلك من احداث الاعتداء عليه ابراهيم ومحمد الحسن خلال مغادرتهم للمطار، تستحق النظر مرة اخرى لموقع الحزب في العملية السياسية ومدى تأثيره عليها.

الشاهد ان محمد الحسن الميرغني وابراهيم الميرغني يقودان جناحا داخل الاتحادي الأصل يعتزم المشاركة في العملية السياسية التي اعلنت قوى الحرية والتغيير عن بدئها بالتفاهمات التي توصلت اليها مع العسكر بالاستناد مسودة الوثيقة الدستورية التي اعدتها لجنة تسيير نقابة المحاميين الي واعلنوا عن نيتهم لتحويلها الي اتفاق اطاري بينهم وبين قادة الانقلاب. بل ان محمد الحسن بصفته التنظيمية وفي معيته ابراهيم الميرغني قاما بالتوقيع على مسودة الوثيقة الدستورية في تمهيد لانضمامهم لتحالف كتلة مدنية يضمهم مع الحرية والتغيير والمؤتمر الشعبي وانصار السنة. فيما قام جعفر الميرغني نائب رئيس الحزب بالانضمام الي تحالف قوى الحرية والتغيير الاخر -المؤيد للانقلاب منذ بدايته-  والذي غير اسمه من التوافق الوطني الي الكتلة الديموقراطية بعد انضمام جعفر اليه، وكلها القاب مملكة في غير موضعها.

لقوى الحرية والتغيير اساس منطقي للتحالف مع المؤتمر الشعبي وأنصار السنة في خضم صراعها ضد انقلاب ٢٥ اكتوبر باعتبار الموقف المبدئي الذي ابداها كلاهما ضد الانقلاب العسكري، ولكن ما يثير الحيرة هو الاجتهاد لضم الاتحادي الاصل – او على الاقل فصيل منه، لتحالف الكتلة المدنية، خصوصا مع ان الحزب لم يعلن موقف رافض للانقلاب، ان لم يكن قد ابدى تأييده له، وبالتحديد بعد لقاء قائد الانقلاب البرهان مع زعيم الحزب الميرغني في القاهرة في ابريل ٢٠٢٢. تزعم بعض دوائر الحرية والتغيير انها ترغب في الاستفادة من النفوذ الطائفي التاريخي للحزب الاتحادي وطائفة الختمية لضمان استقرار الفترة الانتقالية، وخصوصا في شرق السودان. ولكن بصحة هذا الافتراض الذي يستند الي تاريخ قديم قد لا يكون صحيحاً في يومنا هذا، فان هذا النفوذ لا يملكه الطرف الذي تتحالف معه الحرية والتغيير (محمد الحسن/ابراهيم)، بل هو في الجانب الاخر الذي يقوده جعفر بتكليف من والده.

فهم ما يحدث يتطلب العودة للأساسيات ومحاولة فك خيوط تعقيدات العملية السياسية الحالية.

اولا، انا ازعم -ويعلم غيري كثيرون مدى صحة هذا الزعم- ان هذه العملية السياسية التي تجري الان هي تقوم اساساً بالاستناد الي صفقة تمت بين قائد الدعم السريع حميدتي وقيادات الحرية والتغيير، تضمن لكل منهما بعض المكاسب السياسية والتطمينات في المرحلة القادمة. يشهد على ذلك ترحيب حميدتي بالوثيقة الدستورية فور الاعلان عنها وقبل حتى الاطلاع عليها على حسب تصريحه. ومفتاح الاجابة هنا هي طه عثمان الحسين. طه عثمان الحسين والذي تولى لفترة من الزمان منصب مدير مكتب الرئيس المخلوع عمر البشير كان هو العقل المدبر وراء انشاء قوات الدعم السريع، وتمكينها بهذا الشكل المستقل خلال عهد الانقاذ، ولكن في اواخر عهد البشير ونتيجة لصراعات الاسلاميين تمت اقالته بل ومحاولة اعتقاله. ولكن حينها حفظ حميدتي له الجميل بتأمين خروجه الي السعودية والتي منحته جنسيتها وكلفته بمنصب مستشارها للشئون الافريقية. يرتبط طه بصلات وثيقة مع الطائفة الختمية التي ينتمي اليها وبصلات نسب مباشرة مع ابراهيم الميرغني. ويبدو ان جزء من تفاهمات حميدتي مع قيادات الحرية والتغيير هو في تأمين عودة طه الحسين الي المشهد السياسي عبر عودة ابراهيم وجناحه. ولا ننسى ان ابراهيم الميرغني ذات نفسه هو وزير الاتصالات في حكومة البشير الاخير والتي تلتها. وكل هذا يبدو متسقًا مع طبيعة الصفقة التي تتم.

ثانيا: التأثير الخارجي. حيث ان ابراهيم الميرغني يبدو انه الاقرب الي دائرة التأثير الاماراتية، وهي الدولة التي ظل يقيم فيها منذ الاطاحة بحكم البشير. وبطبيعة الحال فان الامارات تبدو متحمسة للصفقة السياسية التي تضمن لحليفها الاول -حميدتي- مزيدا من الضمانات والاستقلالية. وبطبيعة الحال لن ترفض عودة مستشارها طه عثمان الحسين للتأثير على المشهد السياسي السوداني. وما يتوارد انها قامت من خلال موقعها في الالية الرباعية (امريكا بريطانيا والامارات والسعودية) التي اشرفت على الولادة المتعثرة لهذه العملية السياسية، بالضغط بشدة من اجل استيعاب جناح محمد الحسن/ابراهيم داخل تحالف الكتلة المدنية الذي يقوم على اساس الوثيقة الدستورية التي رعتها الالية الرباعية. ويبدو هذا مفهوما في ظل توتر الاوضاع في اليمن واحتمال انهيار الهدنة وعودة الحرب بشدة والتي تحتاج فيها الامارات والسعودية لقوات الدعم الدعم السريع. في الجانب الاخر، نجد جناح جعفر/مولانا يقع بشدة تحت التأثير المصري. ومصر لها خلافات غير خافية مع استمرارية استقلالية قوات الدعم السريع ووضع حميدتي وتميل بشكل أكبر لمعسكر استمرارية توطيد اركان الانقلاب بفرض سيطرة الجيش.

تخطيء قوى الحرية والتغيير في استمرار سعيها لعملية سياسية مفصولة عن الشارع، وتخطيء بشكل اكبر في محاولة تجميع قوى انتهازية لبناء تحالف غير مبدئي يتأسس على حسابات تاريخية قد تكون خاطئة. معسكر الثورة يقوم على قيم ومبادئ، قد تخطئ بعض اطرافه الحسابات هنا او هناك، ولكن الاستعانة بقوى النظام القديم لن يدفع باي شكل من الاشكال بحراك الثورة او الانتقال الي الامام. كما ان المراهنة على الوضع الشائه لقوات الدعم السريع في حماية الانتقال من الردة قد اثبت فشله في ٢٥ اكتوبر… ومن جرب المجرب حاقت به الندامة. وقد ان الاوان للتعامل مع مستقبل هذه البلاد بجدية أكبر والتعلم من الاخطاء التي تم ارتكابها. كما ان المراهنة على الانقسامات الداخلية للأحزاب والمكونات السياسية، هي ممارسة شمولية لا تمت للديموقراطية بصلة، وقد سادت خلال عهد البشير البائد وما اورثت الحياة السياسية في السودان الا مزيدًا من الخراب والاستقطاب.