Sunday , 27 November - 2022

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

البحث عن الثورة المختطفة من ركام المفاهيم

حسين مناوي

حسين مناوي

حسين اركو مناوى

قلما يوجد وضع سياسي يترنح في خضم إرباك سياسي مثل الوضع السوداني ولا شك هذا بدوره سبب إرباك في رؤية الناس في جزئيات كثيرة.
إذا تناولنا كل جزئية من جزيئات الأزمة السودانية وفق الكلمة المفتاحية التي تحدد تلك الجزئية من المؤكد الناس ترى تلك الجزئيات من زوايا عدة بحيث لا يسمح للجميع أن يتفق على قراءة واحدة. طبيعي لا يتفق الناس في قراءة سياسية واحدة ولكن ليس طبيعي أن تنعدم أرضية مشتركة بين قوى سياسية في دولة واحدة لأنّ مشتركات الدنيا هي عصمة الشعوب والدول كي لا تزول.

دعنا نأخذ (الانقلاب والثورة ) ككلمات مفتاحية لتداعيات سياسية جاءت بعد أحداث 19 ديسمبر 2018 والتي قادت إلى ما يمكن أن نسميه مجازاً انقلاب على انقلاب 30 يونيو 1989 .

وأحسب عبارة انقلاب على انقلاب مستساغة لكثير من المهتمين بالتطور السياسي في السودان وفى أرشفة الثورة السودانية. في إطار الجدل حول الثورة السودانية أيضاً ينبغي وصف الأحداث التي صاحبت الانتفاضة الجماهيرية ضد الإنقاذ والتي عُرفت بثورة ديسمبر 2018, في وصف تلك الأحداث, ينبغي اختيار المفردات بدقة حتى يتمكن السودانيون من تحديد الجزيئات التي تُعيينهم حول كيف ومتى يؤرخون ثورتهم.

هذا الجدال نفسه لم ينتج عن حالة اعتباطية إنما نشأ بسبب اختلاف القراءات حول أمهات المفاهيم؛.. الوطن,.. المواطنة… والحوكمة وقضاياها من الديمقراطية والفيدرالية وعلاقة الدين بالدولة والقيم التي تحكم الدولة الحديثة, وكان ينبغي أن تكون لأمهات المفاهيم هذه أرضية مشتركة نؤسس عليها حواراً وطنيا. أزمة الفهم في الثورة السودانية نابعة من الاختلاف حول كل هذا الكم الهائل من المفاهيم والنتيجة الطبيعية كانت البحث عن قوالب متعددة للثورة السودانية كل فئة باتت تُغنى لليلاها.

لكي لا نشتت الفكر في جزئيات الأزمة السودانية الكثيرة غير الجزئيتين, الانقلاب والثورة, من الأوفق أن نحدد بدقة ما حدث في 30 يونيو 1989 و 11 أبريل 2019 ثم نقارن ما حدث في 25 أكتوبر 2021 ونحدد لهم قوالب شرعية في الفقه السياسي لكى ندرك كيف أضاع مصطلح الانقلاب الثورة السودانية في محطة تُساق الجموع كالغنم بآلة الإعلام المضلل.

لكل تاريخ من التواريخ أعلاه بغض النظر عن حجمه السياسي له قالب خاص وليست هي أحداث متطابقة, (identical). هكذا 30 يونيو 1989 جاءت لتُزيل نظام ديمقراطي قائم على شرعية دستورية وأدق وصف لها هو الانقلاب. أما 11 أبريل 2019 كانت حالة استيلاء على السلطة من داخل منظومة الانقلابيين أنفسهم, وتحتاج إلى وصفة قانونية ولكنها ليست على حكومة قائمة على شرعية دستورية ولا النظام الذي أتى بعدها له شرعية دستورية وإطلاق كلمة انقلاب قد يعطي صبغة شرعية دستورية لما قبلها, لذا علينا أن نتوخى الحذر في إطلاق كلمة الانقلاب في سياقات لا علاقة لها بالشرعية الدستورية. قد تكون استيلاء أو ارتداد أو نكوص… إلخ.

25 أكتوبر 2021 لها قالب منفرد وهو قالب الوثيقة الدستورية , الصفقة التي تمت بين العسكر الذين استولوا على نظام الإنقاذ مع مجموعة محددة من القوى السياسية وبمقتضى ذلك تكونت حكومة شراكة لفترة انتقالية ليست قائمة على شرعية دستورية وفي 25 أكتوبر 2021 حدث فض الشراكة بين الطرفين باستخدام القوة. إذاً حالة الانقلاب في كل الأحوال تنطبق فقط على حالة 30 يونيو 1989 التي وأدت حكومة قائمة على شرعية دستورية مفوضة من الشعب السوداني عبر انتخابات حرة.

وفى فقه الثورة, نعم في البداية في منتصف ديسمبر 2018 هناك انتفاضة هبت في شكل احتجاجات جماهيرية هنا وهناك تطالب بتحسين الأحوال المعيشية. لم تكن هذه الهبة هي الأولى, هناك هبات وهبات سبقت ولكنها انتهت بآلة القمع من النظام.

وفى خطٍ موازٍ وبالفعل موازي هناك نضال شرس وخشن ظل يدور منذ عقود ولكن في سياق يتقاطع في محطات حساسة مع سياقات أكتوبر 1964 وأبريل 1985 لأنّ كل سياق له مفاهيم سياسية بشأن الدولة السودانية.

السياق الأول يُقرأ في إطار إجراء هيكلة كاملة للدولة السودانية أما السياق الآخر لا يخرج من من مفهوم تغيير الأنظمة ومن هنا جاء التقاطع ونشأ التضارب في مفاهيم الثورة السودانية ولكن تلك جزئيةٌ آخري تحتاج مساحة ووقت أوسع.

نعود إلى جزئية الانقلاب وأعنى بذلك الحالتين, حالة 11 أبريل 2019 وحالة 25 أكتوبر 2021. وفى إطار التحليل أو إصدار الأحكام وإدلاء بوجهات نظر حول ما إذا كانت كلٌ من حالة 11 أبريل 2018 و 25 أكتوبر 2021 انقلاب أم لا دعنا نذكر قائمة من حقائق ذات علاقة بالموضوع قد تساهم في فهم الفروق الدقيقة للأحداث السياسية وبالتالي تساعد على اختيار اللغة المناسبة لوصف الأشياء كما تُعرف عند اللغويين ب collocations;
*كان هناك نظام سياسي جاء عبر انقلاب في 30 يونيو 1989.
* هناك انتفاضة اندلعت في 19 ديسمبر 2018 وشارك فيها معظم الشعب السوداني وهذه المرة شاركت كل أقاليم السودان.
* الانتفاضة استمرت حتى صبيحة 11 أبريل 2019 ولم يتمكن المنتفضون من إسقاط نظام الإنقاذ.
* لجأ الجمهور إلى الاعتصام أمام القيادة العامة وتفاقم الوضع وأصبح أمام الناس سيناريوهين واضحين الأول الاستمرار في الضغط حتى السقوط وإلا سيواجهون إجراءات قمعية لفض الاعتصام وبقاء نظام الإنقاذ.
* في هذه الأثناء تحركت قوى عسكرية لإطاحة البشير ونجحت في ذلك.
* بعد الإطاحة بالبشير حدث نوع من تنسيق بين العسكر وبعض القوى الحزبية وفيه تم إقصاء الثوار من المشاركة بل وقُمعوا من خلال عملية فض الاعتصام.
* في هذه الأثناء أيضاً تم إقصاء قوى الكفاح المسلح من المشاركة في صياغة الوضع لما بعد سقوط عمر البشير.
* القوى الحزبية والعسكر الذين أطاحوا بالبشير عقدوا فيما بينهم صفقة سياسية دون مشاركة الثوار وسُميت الصفقة بالوثيقة الدستورية بها تحكم الفترة الانتقالية.
* الشارع رفض تلك الصفقة ولم يستكين والمظاهرات استمرت تحت مظلة لجان المقاومة وانسحب الحزب الشيوعي من الوثيقة وانضم إلى الشارع.
* اختلف الطرفان الموقعان على الوثيقة الدستورية وقاد اختلافهما إلى فض الشراكة دون تراضى في 25 أكتوبر 2021.

لكى نضع الأحداث في قالب سياسي منطقي, وبلغة رياضية نجد النقاط العشرة أعلاه ببساطة تتلخص في الأتي؛
وقع انقلاب في 30 يونيو 1989 وحدث استيلاء على انقلاب 1989 في 11 أبريل 2019 وحدث اختطاف الثورة بالوثيقة الدستورية قام به العسكر وبعض القوى السياسية بموجبها تكونت حكومة لفترة انتقالية وفي 25 أكتوبر 2021 حدث فض الشراكة بين أطراف الوثيقة الدستورية واختلف الأطراف في تسمية العملية البعض قالوا انقلاب والبعض الآخر قالوا تصحيح المسار ولكن في النهاية الثورة والثوار ليسوا جزءًا من هذه العملية ولا كانت للحكومة شرعية دستورية والوضع برمته يمكن أن يُصنّف تحت الشرعية الثورية التي تتنازع فيها قوى مختلفة بمرجعية المشاركة في إسقاط النظام.

من بين هذه الأحداث الثلاثة أي أحداث 1989 و 2019 و 2021 في الفقه السياسي فقط ما حدث عام 1989 يعد انقلاباً لأن العسكر أطاحوا بنظام ديمقراطي يقوم على شرعية دستورية جاءت عبر صناديق الاقتراع وهي شرعية مكتسبة من الشعب أما أحداث 2019 و 2021 مجرد استيلاء على السلطة ولكن النتائج لا تفضى إلى شرعية دستورية وفي ظل تضليل إعلامي كثيف قد يجوز للبعض تسميته كيفما يرون.

في خضم هذا الارتباك في وصف الأشياء هناك مفردات مهمة في أدب الحالة السياسية التي يمر بها السودان وهى؛ الانقلاب… الاستيلاء….. فض الشراكة… عقد الشراكة…الشرعية الدستورية… التفويض الشعبي… الشرعية الثورية… وهنا يتنافس المتنافسون في اختيار المصطلح الذي يناسب كل طرف ليكيّف حسبما يروق له.

إذاً الأسئلة التي تطرح نفسها ويجب أن يُجاب عليها بكل جرأة وأمانة.
أ- من هو المسؤول عن إجهاض الثورة؟
ب- ومن الذي اختطف الثورة؟
ج- ومن الذي أبعد الثوار من العملية السياسية بالتنسيق مع العسكر بعد سقوط عمر البشير مباشرة؟
الإجابة على هذه الأسئلة تكشف جوهر الخلل الذي يعانى منه الراهن السياسي وتزيل كثير من الغشاوة الكثيفة بسبب التضليل الإعلامي.