Sunday , 4 December - 2022

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

اختلط الحابل بالنابل: حركة عسكرية “معاش”!

الواثق كمير

الواثق كمير

[email protected]

منذ توقيع اتفاقية جوبا للسلام، في أكتوبر 2020، وبالرغم من تأييد قطاعات واسعة لها محلياً واقليمياً ودولياً، إلا أنها أيضاً لم تجد القبول لدى بعض القوى السياسية والمجتمعية السودانية. وما أن تم تصنيف الحركات المسلحة الموقعة على الاتفاقية كقوى داعمة لانقلاب فض الشراكة في 25 أكتوبر 2021، حتى زادت حدة الخطاب ضد الاتفاقية وأطرافها وارتفعت الأصوات المطالبة بإلغائها أو مراجعة وتعديل أحكامها.

العنوان الرئيس لأطروحة الرافضين هو أن الاتفاقية بمثابة مكافاة لكل من يحمل سلاحاً، وعطاء من لا يملك لمن لا يستحق. سببانُ يقفا وراء هذا الرفض، أولهما: أن الحركات المسلحة الموقعة عليها لا تملك قاعدة اجتماعية معبرة عن إقليم دارفور، وثانيهما: أن أقاليمِ شمال ووسط السودان لا مكان لها من الإعراب في الاتفاقية، بل تم اقحامها لاستيعاب المدنيين المتحالفين مع الحركات، خاصة ابتداع مساري الشمال والوسط.

بعد الشعور بالاقصاء والتنمر ضدهما، لاحظت حراكاً مشهوداً في المنصات الإعلامية والإسفيرية لزعيمي مساري الوسط والشمال لاتفاقية جوبا للسلام، الأستاذين التوم هجو ومحمد سيد أحمد (جكومي). فقد قدما دفعوعاتهما القائمة على حجتين رئيسيتين، أولهما: بالرغم من عدم حملهم للسلاح، إلا أنهما من المؤسسين للجبهة الثورية منذ ميلادها في 2012. وثانيهما: بِقيادتهما لمساري الشمال والوسط لم يكن الهدف قسمة السلطة، بل أن اتفاق المسارين لم يتضمن غير مكاسب تنموية ونهضوية لأهل الإقليمين. وربما الأهم، أن قيادات مساري الوسط والشمال لا تدعي احتكار قيادة المسارين، إنما هم مبادرون من أجل الدعوة إلى إنصاف، وتثبيت حقوق أهل الشمال والوسط والشرق بالعدلِ والمساواةِ مع أقاليمِ السودان الإخرى.

وبالتزامن مع، وكأنما هي ردَّة فعل، للجدل المحتدم حول اتفاقية جوبا للسلام، من جهة، ووضع ومساري الوسط والشمال، من جهة أخرى، أعلنت مجموعة من الضباط المتقاعدين عن إنشاء تنظيم عسكري- سياسي أطلقوا عليه إسم قوات كيان الوطن. يهدف الكيان إلى “خلق توازن للقوى الدارفورية التي وصل عدد الحركات المسلحة فيه رقما يصعب حصره”، على حد تعبير بيان صادر عن المجموعة العسكرية، في 14 نوفمبر الجاري. وبنص نفس البيان أن كيان الوطن “يمثل الأغلبية الصامتة في شمال ووسط وشرق السودان”.

فهكذا، لكيان الوطن قوات خاصة تحت مسمى قوات حماة الوسط “لخلق توازن عسكري للأقاليم (الولايات) في شمال ووسط وشرق ، وحركات دارفور التي كونت لها قوات مقاتلة تمكنت عبرها من استلام مناصب عليا بالدولة”، على حد قول العميد معاش الصوارمي خالد سعد, الناطق الرسمي السابق للقوات المسلحة. وكأنما لسان حال قائد قوات كيان الوطن يقول لقيادات مسارات الوسط والشمال والشرق “ها نحن بقواتنا قادرون على انتزاع حقوق أهالي هذه المناطق في السلطة والثروة، وهذا ما عجزتم عن تحقيقه بواسطة اتفاق جوبا للسلام لا لسبب غير انكم لا تحملون سلاحا أو لديكم قوات!”.

من غرائب المشهد، وعجائب الفعل السياسي، أن نشاهد مؤتمراً صحفياً ل “حركة عسكرية يقودها ضباط متقاعدون”. فهل الأمر مُعدٌ مُسبقاً وله أصابع داخل القوات المسلحة، مما قد يكون له شأن عظيم في، وأثر وخيم على مستقبل البلاد؟ (خاصة وأن قادة قوات كيان الوطن أكدوا أن لديهم قوات منتشرة في كل أرجاء السودان). أم أنَّ كيان الوطن مجرد حركة سياسية/مسلحة “معاش”، تسعى لنصيبٍ من السلطةِ تُكمل به مطالب قيادات مساري الشمال والوسط من أجل رفاه أهل الإقليمين؟

في كل الأحوال، يظل رئيس مجلس السيادة، وكل أجهزة الدولة المعنية، مسؤولاً عن كشفِ حقيقة هذا الكيان الُمريب عبر مخاطبة مباشرة للشعب السوداني، بالمثل لمخاطباته لأفرع القوات المسلحة. في أي خانة يضع القائد العام للجيش هذا الكيان، هل هي قوات موازية حديثة النشأة، أم قوات صديقة جديدة؟

أم حقاً قد اختلط الحابل بالنابل؟

تورونتو، 16 نوفمبر 2002