Wednesday , 28 September - 2022

سودان تريبيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

نقلة نوعية مطلوبة من أجل السلام وتوليد الثروة قبل تقسيمها

بقلم السر سيد أحمد

اعلان الجبهة الثورية استعدادها لوقف العدائيات لفترة ستة أشهر ردا على عرض الرئيس عمر البشير وقف اطلاق النار لمدة شهرين يمثل فرصة ذهبية يمكن أن تمثل نقلة نوعية في مسار العمل السياسي السوداني وفتح طاقة الأمل في ليل الإحباط المتطاول. وتتمثل هذه الفرصة في العمل على انجاز خطوتين أساسيتين: تحويل وقف العدائيات الى وقف شامل لإطلاق النار ثم الانتقال من هذه المرحلة الى مرحلة نبذ العنف بأي صورة جاءت عبر انقلاب عسكري او حرب عصابات وإحلال النشاط السلمي محله ليصبح محور العمل السياسي، وذلك في مسعى للاستفادة من التجارب الثرة التي مرت بها البلاد. ومن هذه التجارب ان العنف وحتى على افتراض حسن النية فيمن يلجأون اليه ونجاعة المنطق الذي يقولون به له ديناميكيته وقوانينه الخاصة التي تفرض مناخات وممارسات تطغي على الشعارات التي رفعت السلاح من اجلها بل وفي الغالب ترتد على الذين حملوا السلاح أنفسهم.

في العام 1989 ضاقت الجبهة القومية الإسلامية بالممارسات السياسية السائدة ورأت في مذكرة القوات المسلحة ابعادا لها بقوة السلاح ومن ثم قررت أن تسقي خصومها من ذات كأس العنف الانقلابي، على ان أسلوب الانقلاب بحظر العمل السياسي والتضييق على حرية التعبير والتنظيم لم يقتصر على الخصوم ونما طال العضوية كذلك، وأصبحت المفارقة ان التنظيم الوحيد الذي تم حله فعلا هو حزب الجبهة الإسلامية القومية ومؤسساته المختلفة. فالأحزاب الأخرى تم حلها قانونيا ورسميا لكنها ظلت تعمل تحت الأرض وخارج السودان.

في الرد على عنف الدولة وتضييقها على العمل السياسي السلمي راجت مفاهيم بضرورة مقابلة ذلك التحدي بقوة السلاح وتمثل تجربة الأنيانيا وبعدها الحركة الشعبية لتحرير السودان والتجارب المتعثرة لمختلف فصائل التجمع الوطني الديمقراطي وبعدها حركات دارفور أبرز عناصر التوجه القائم على الرد بالعنف، وهو ما يفرض أسئلة عن حصيلة هذا التوجه. فتجربة الأنيانيا انتهت بشراكة بين الحركة والنظام المايوي حفلت بالكثير من الثقوب. تجربة الحركة الشعبية عملت على الاستفادة من تجربة الأنيانيا وتوصلت الى انه في غياب أمكانية تحقيق الانتصار الكامل والنهائي على الخرطوم فمن الأوفق لها تحصين نفسها عبر الاحتفاظ بجيشها المستقل وإطلاق يدها في الجنوب والانتهاء عمليا بدولتها الخاصة والمستقلة، لكن رغم ذلك انتهى الوضع بقتال بين رفاق الأمس على كعكة السلطة والثروة وذلك بالاستناد الى تراث العنف الذي كان موجها نحو الخصوم وأصبح بعد ذلك يوجه الى زملاء خندق النضال.

خلاصة الأمر ان العنف المضاد أو الثوري ليس حلا و لا بديلا خاصة اذا كان الهدف بناء نظام ديمقراطي وتعددي يحترم حرية الإنسان وعلى رأسها حريتي التعبير والتنظيم. فرفع راية العنف يتطلب معايير مختلفة للعمل ذات صبغة عسكرية تقوم على اعطاء الأولوية للتأمين والضن بالمعلومات وتراتبية تقوم على السمع والطاعة لا النقاش والسماح بالاختلاف. فعلى المحك أرواح المقاتلين، لذا لم تكن صدفة ان الحركة الشعبية كانت تطلب ممن ينتسبون اليها العمل الميداني العسكري بغض النظر عن مؤهلاتهم الأكاديمية والفكرية أو السياسية. وهذه الخاصية تستمر حتى وان تم القضاء نهائيا على الخصم وفيما يجري في أثيوبيا أو ارتريا أو أوغندا مثالا حيا على عدم القدرة على قطع الصلة بتراث العنف الذي يأتي على حساب الحرية والتضييق السياسي والإعلامي، اذ لا صوت يعلو على صوت المعركة، التي تتخذ لها أشكالا متعددة في كل زمان وأن.

منذ وقت طويل تترد مقولة ان مشكلة السودان ليست فيمن يحكم ولكن في كيف يحكم وأرجو أن يتسع النقاش في هذا الجانب ويصل الى نتيجته النهائية ليركز على الآليات التي تساعد في كيف يحكم السودان وعلى رأسها نبذ العنف. فالتجربة السياسية الثرية تشير بجلاء انه لا يمكن لأحد الأن الإدعاء ان له كل الإجابات والحلول لمشاكل السودان سواء في شكل مشروع حضاري أو سودان جديد أو صحوة أسلامية أو خيار ماركسي. فللكل الحق أن يطرح ما يراه وأن يسعى بين الناس لإقناعهم برؤيته وبرنامجه عبر عمل سلمي يعتمد الحجة والمنطق وصندوق الانتخابات وسيلة وليس عن طريق العصا القائمة والأخرى المدفونة عبر العنف.

لقد ترددت أحاديث كثيرة عن الضغوط التي مارسها اجتماع المبعوثين خاصة الأمريكي دونالد بوث في باريس الأسبوع الماضي على الجبهة الثورية ان ترد على مبادرة البشير وقف أطلاق النار، وهاهي قد فعلت. ويبقى المطلوب تحويل هذا الإعلان الى نبذ نهائي للعنف وهو ما يتطلب حراكا وضغطا داخليا من قواعد كل القوى السياسية سواء في الحكم او المعارضة أو مؤسسات المجتمع المدني ليصبح العمل السلمي هو القاعدة والأساس ونبذ ما عداه، الأمر الذي يسمح بالتداول والنقاش الحر للقضايا الاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن إرهاب العنف من أي مصدر جاء.

ومن هذه القضايا الانتقال الى مربع جديد في قضايا قسمة الثروة والتركيز على توليد الثروة قبل تقسيمها. فتجربة قسمة الثروة الماثلة بين أيدينا انتهت عمليا الى امتداد للتراث الممتد منذ أيام السودنة وإحلال السودانيين مكان الأجانب في وظائفهم وامتيازاتهم وبدون أن ينعكس ذلك على المجتمع ككل.والحصيلة حتى الأن فيما يخص قسمة الثروة عبارة عن محاصصات في شكل وظائف دستورية للقيادات المعارضة سواء على مستوى المركز أو الولايات و لا يحصل الناس على شيء يذكر من هذه القسمة. ويمثل قطاع النفط مثالا حيا على هذا الحال اذ نصت الاتفاقية على حصول الولايات المنتجة للنفط على نسبة 2 في المائة مما تنتجه تلك الولاية وذلك بأفتراض اعادة تدوير تلك العائدات في شكل مشاريع تنمية وخدمات للولاية المعنية، لكن الكثير من علامات الاستفهام تطال تلك العائدات مع تعاضم الإحساس انه تم استبدال ممارسات السلطة المركزية في الخرطوم بممارسات مشابهة من قبل عواصم الولايات المعنية.

تسليط الضوء على نبذ العنف وتوليد الثروة قبل العمل على توزيعها يعيد تركيز العمل على المجتمع ككل، وعدم قصره على النخب، كما يفتح الباب واسعا أمام المحاسبة والمسؤولية، وليس الاكتفاء بالمزايا الشخصية أو الدينية أو الأخلاقية لهذا الزعيم أو ذلك القيادي، وكذلك إتاحة المجال أمام بروز قيادات جديدة في مجالات البناء والتعمير لا القتال والعنف اللفظي والجسدي، كما يمكن حساب العمل السياسي بأشياء ملموسة ابتدءا مما يمكن تحقيقه في القرية أو الولاية وانتهاء بالمستوى الوطني العام ومحاسبة القيادات التي ظلت تجد في العنف مظلة تبقيها في الواجهة وتبعد عنها المساءلة مما أسهم في حالة التصحر السياسي التي تعيشها البلاد.

Leave a Reply

Your email address will not be published.