Wednesday , 28 September - 2022

سودان تريبيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

الخرطوم وتونس طريقان من أجل الديمقراطية

بقلم زين العابدين صالح عبد الرحمن

17 يناير 2011 — لم تتوقع القيادة التونسية أن أحداث التغيير الاجتماعي والسياسي يمكن أن تسير بهذه الطريقة السريعة جدا كما أن المرحوم محمد بو عزيزي من منطقة ” بوزيد” عندما حرق نفسه غضبا من سلوك و مضايقات موظفي البلدية لم يعلم أنه بهذا الحرق وضع كل الشعب التونسي أمام تحدي كبير في مواجهة الديكتاتورية التونسية التي حكمت البلاد لأكثر من عقدين من خلال المؤسسات الأمنية و مصادرة الحريات الإعلامية و الصحفية و السياسية و قد بدأت المظاهرات بعيدا عن العاصمة و لكن بسرعة انتشرت في كل المدن التونسية لتضع النظام التونسي أمام تحدي مصيري و دلالة عل ذلك خطابات الرئيس زين العادين بن علي كان الخطاب الأول يحمل الوعيد و التحذير بأن الدولة سوف تضرب بيد من حديد علي المخربين و المندسين و الأجندة الأجنبية التي تحاول أن تحرك الداخل و لكن تطورت الأحداث بصورة دراماتيكية وأعطي الرئيس التونسي أوامره لضرب المحتجين و المتظاهرين ثم جاء الرئيس بن علي في المرة الثانية مكسورا وأضعف مما كان في المرة الأولي حيث أعترف أن هناك مشاكل و معاناة و يجب معالجتها ثم عزل وزير الداخلية ووزير الاتصال وأكد أنهم سوف يخلقون فرص عمل للعاطلين و طلب من الوزير الأول محمد الغنوشي العمل الفوري لمعالجة القضية و لكن لم يجد استجابة من الشارع والمتظاهرين فقد بدأت مناطق أخري تخرج للشارع

ورفع الشارع سقف مطالبه ليس فقط البحث عن معالجة المشاكل الاقتصادية و أيجاد فرص عمل للعاطلين أنما محاسبة الرئيس و عائلته المتمثلة في عائلة زوجته الثانية ليلي الطرابلسى التي تتحكم في الاقتصاد والسياسة في تونس.بعد مواصلة المظاهرات وعدم الاستجابة لدعوات الرئيس بن علي قدم الرئيس الورقة الأخيرة التي في جعبته وهي تقديم أكبر تنازل ممكن من أجل سحب البساط من تحت أقدام القيادات التي تقود المظاهرات و تتحكم في سيرها فأعلن أنه لن يترشح لولاية أخري وانه رفع الحظر علي الانترنيت وإعطاء الحريات الصحفية والإعلامية مساحة كبيرة من الحرية وفتح باب التنافس السياسي والعمل علي حل مشاكل الاقتصاد ووعد الشارع التونسي بأنه سوف يحدث تغييرا كبيرا في بنية الدولة و لم يجد الاستجابة إلا من احد قيادات الأحزاب العتيقة التي تريد اغتنام الفرص ولكن الجماهير تعرف تماما ليس هناك ثقة في الديكتاتوريين فهؤلاء يقدمون تنازلات فقط من أجل امتصاص الغضب في الشارع التونسي و عندما تهدأ الأوضاع يرجع اعنف وأشرس مما كان لذلك لم تستجيب له بل جعلت مواصلة المظاهرات لإزالة النظام ومحاكمة رموزه في كل التجاوزات التي ارتكبت مما جعل الرئيس يهرب تاركا وراءه رموز النظام يواجهون المصير المحتوم ثم هربت قيادات الأمن والمخابرات الذين ارتكبوا جرائم ضد شعبهم ولم تتدخل الدول الغربية التي كانت تتغاض عن ممارسات النظام مثل “فرنسا والولايات المتحدة” التي تنظر فقط لمصالحها وليس لها علاقة بشعارات الديمقراطية والحرية التي ترفعها.القضية المهمة في الأحداث أن المظاهرات قد فاجأت القيادات التاريخية للمعارضة و الأحزاب التي استكانت للديكتاتورية

وقد خلقت المظاهرات قيادات جديدة هي التي سوف يكون لها بصمات في تونس الجديدة و أن الأحزاب التونسية التقليدية و التي لم تستطيع التصدي للنظام هي أيضا تجاوزتها الأحداث تماما و رغم أن الأحداث جاءت بصورة سريعة و غير متوقعة و فاجأت النظام إلا أن هناك تراكمات و سلبيات و ممارسات كانت تختزن في صدور الشعب ضد النظام والملتفين حوله تفجرت الغضب عندما رأت الجماهير بأم عينها أحدا من أفرادها رغم أنه لم يجد عملا وهو خريجا جامعيا أن يعمل بائعا للخضار متجولا وحتى هذه الوظيفة المؤقتة التي يعيل بها أهله لم يسمح النظام له بممارستها مما دفعه لحرق نفسه في وسط الشارع و أخر تعلق علي أسلاك الكهرباء حتى تفحم ثار الشارع و تفجر الغضب المخزون وكل الكبت المختزن فلم يبق سبيل سوي تغيير النظام.

وقد كان.هذه التحول السريع في الأحداث يقودنا إلي السودان وما يحدث فيه و رفض الحزب الحاكم الاتعاظ بما يحدث في كل من تونس و الجزائر حيث يعاني الشعب من شظف العيش وعطالة تجاوزت 35% من الشباب بين أعمار 17- 30 وضرائب و مكوس أرهقت بها كاهل الشعب إضافة للغة التي تتحدث بها قيادات الإنقاذ التي تحمل الكثير من التحدي والوعيد والمواجهة هي كلها سلوكيات تختزن في مخيلة الشعوب و تراكمات تتضاعف و تكبر ويمكن أن تتفجر في أية وقت من خلال أسباب بسيطة جدا وفي تلك اللحظة لا يمكن التحكم في الموقف حيث رفضت قيادات الإنقاذ الحلم وفضلت السير في طريق القمع وأيضا فضلت التمسك بالسلطة علي حساب الوطن ووحدته وهي أيضا تفضل تمزيقه عن الحوار من أجل خلق تسوية وطنية.

أكدت أحداث تونس أن المظاهرات لم تفجرها قيادات المعارضة التاريخية ولم تكون نتيجة لاجتهاد أو تحريك من الأحزاب السياسية المعارضة أنما حالة من الغضب تفجرت متجاوزة الجميع وبالتالي كان سقفها يرتفع كل ما توسعت دائرتها فقد غادرت محطة مطالبتها لإيجاد فرص عمل إلي تغيير كامل للنظام ورموزه وحتى القوي القمعية التي أعتمد عليها النظام في حمايته لم يجد لها أثرا الآن في الشارع و قيادات المؤتمر الوطني تعتقد أن هناك ضعفا ووهنا في الأحزاب لا يجعلها قادرة علي تعبئة الشارع ضدها وأغفلت أن الانتفاضات و الثورات الشعبية هي التي تخلق قياداتها وسوف تتجاوز القوي السياسية.

وواحدة من مشاكل استجابة الشارع السوداني للمعارضة وأطروحاتها هي القيادات التاريخية القابعة علي قمة الأحزاب المعارضة حيث أنها قيادات نضب خيالها وفقدت القدرة علي المبادرة وفقدت الصلاحية التي تمكنها من قيادة الجماهير من أجل التغيير ولكن ضعف الأحزاب و سيطرة قيادات تاريخية عليها أدت لعزل الأجيال الجديدة عن تلك الأحزاب وأصبحت هي السبب في عدم أن تقدم الإنقاذ تنازلات تؤدي إلي تحول الديمقراطي حقيقي الأمر الذي جعل الرئيس البشير ومساعده الدكتور نافع علي نافع استغلال المنابر المتاحة لإرسال رسائل التحدي والوعيد مطوحين بقبضة أياديهم في الهواء دلالة علي البأس والقوة و يجعلوا أنفسهم بعيدا عن لغة الحوار والتسويات السياسية التي تضمن حدا لوقف إراقة الدماء و العنف في المجتمع والاستجابة من قبل الجميع للجلوس والحوار لكي يتم التقارب بين القوي السياسية وحل كل المشاكل التي تواجه البلاد من أجل السلام والاستقرار.

ولكن الأحداث في تونس قد أكدت أن ضعف المعارضة لا يشكل ضمانة للنظام خاصة إذا كانت هناك أسبابا كثيرة تؤدي للثورة أولها التقسيم الذي تعرضت له البلاد بسبب سياسة المؤتمر الوطني و العطالة التي يعاني منها 90% من القادرين علي العمل الخدمات المتردية في التعليم والصحة والبيئة الغلاء في الأسعار انخفاض العملة المحلية التوسع المستمر في حزام الفقر في كل المناطق في السودان استغلال مؤسسات الدولة من قبل أقلية وتذهب الفرص لأهل الولاء وليس الخبرة والتأهيل كل تلك تدفع الجماهير في تجاوز قياداتها التاريخية وتخلق قيادات جديدة ترفع سقف المطالب بما يتلاءم مع طموحاتها.

أعتقد هناك ما تزال فرصة كبيرة أمام العقلاء في المؤتمر الوطني لكي يخرجوا البلاد من الأزمة التي تعيشها ومن حالة الاحتراب التي يرديها ما يسمي بصقور المؤتمر الوطني وهم الذين سوف يعانون أكثر من غيرهم إذا حدث تغير بعيدا عنهم وهو أمر ليس ببعيد ومتوقع جدا بالحالة التي يعيشها السودان وخاصة أن الإنقاذ ليست لها علاقات لا إقليمية تستطيع مساعدتها ولا علاقات دولية تشفع لها وخسرت العديد من علاقات السودان في الخارج و تأذي الناس في الداخل من تلك السياسة التي حطمت أيضا العلاقات الوطنية بين أبناء الوطن الواحد حيث ضرب الفساد في كل المرافق كل تلك السلبيات والإخفاقات يجب أن تراع لها القيادات الحكيمة ذات البصيرة الثاقبة و تسرع بالحوار الوطني الذي يفضي من أجل تحول ديمقراطي حقيقي و توسيع دائرة الحريات و توزيع عادل للفرص وتحكيم الدستور والقانون بعد الاتفاق عليه لأن الدستور الحالي بعد ذهاب الجنوب يمثل المؤتمر الوطني ولا يمثل رؤية قومية تفضي لاستقرار في العملية السياسية والبلاد تحتاج لاتفاق وطني جديد يؤسس للدولة الديمقراطية ويخرجها من عباءة الحزب الواحد وأيضا إذا أردنا دولة بمواصفات جديدة تؤمن للبلاد استقرارها السياسي وتنمية اقتصادية ة تخرجها من الأزمة التي تعيش فيها تحتاج إلي وجوه جديدة تحمل هذه القيم ويجب أن تبتعد الوجوه القديمة التي كانت سببا في أزماتها وانفصال جزء عزيز عليها.

وهؤلاء رغم إخفاقاتهم وديكتاتوريتهم التي قادت البلاد للعديد من النزاعات الدامية تجدهم متمسكين بأهداب السلطة وهؤلاء يمنعون التحول السلمي الديمقراطي في البلاد و يدفعون البلاد نحو الثورة والانتفاضة الشعبية وهي أدوات ووسائل لها انعكاساتها السلبية رغم أن ايجابيتها تغيير الوجوه القديمة.لقد نقلت الأخبار أن هناك بعض الشبيبة في ولاية سنار أسسوا تنظيم لهم وقاموا بحرق خمسة ألاف فدان مزروعة بقصب السكر ورغم إدانتي لمثل هذه الأفعال التي تؤدي إلي التخريب ولكن حالة اليأس والغضب لا يمكن السيطرة عليها ولغة التحدي المستمرة الآن من قبل السيد رئيس الجمهورية تدفع آخرين بمقبلتها بلغة أشرس منها في أوائل التسعينات قال الرئيس البشير من أراد السلطة عليه بالبندقية وتوسعت دائرة الحرب بعد ما كانت في الجنوب أصبحت في الجنوب والشرق والغرب و بعد توسيع دائرة الحرب وموت الآلاف من أبناء الوطني كان يمكن أن يكونوا عصبا لتنميتها رضخ النظام للعقل والتفاوض.

والآن بدأ الرئيس يرسل ذات اللغة هو ومساعده الدكتور نافع إلي أين يريدوا أن تسير البلاد بعد فصل الجنوب هل إلي فصل أقاليم أخرى ويجب أن لا نرمي كل اللوم علي الخارج أن النار تؤجج كل ما أعتلي الرئيس منبرا يخاطب به الجماهير ومعروف ليست كل الجماهير التي تخرج لاستقبال رئيس ومسؤول هي صاحبة ولاء خرجت ملايين لنميري من اجل تطبيق الشريعة وخرجت نفس الملايين لكي تخرجه من السلطة فالحليم من يتعظ بغيره كما أن الخطابات المتتالية التي يقوم بها السيد رئيس الجمهورية التي يلقيها الآن تعبر عن حالة من عدم الاستقرار النفسي وخوف من المستقبل وعدم تأكد من ولاء الجماهير فكثرة الخطابات والحديث علي المنابر بشكل متواصل من قمة هرم الدولة تؤكد تماما أن القوم غير مطمئنين للغد وهناك سلبيات يريد التغطية عليها بالظهور المستمر وهي حالة غير طبيعية.

أن الإنقاذ قد خسرت كل علاقاتها الدولية في الغرب والولايات المتحدة وحالة الانفراجة الموجودة بينها وبين الغرب الآن تتسع فقط زمن الاستفتاء ونتيجته ولم يبق سوي الاتحاد الإفريقي والدول العربية وهذه يمكن جعلها في الحياد قبل أن تبدأ معركة التغيير لآن الحركة الماكوكية التي يمكن أن تقام من قبل السودانيين في الخارج للالتقاء بزعماء تلك الدول في الخارج كفيلة بأن تجعل العديد من الدول تقف علي الحياد ليس في معركة التغيير وأنما في معارك أخري الإنقاذ محتاجة لها كما أن المساحة للحركة المتوفرة للآخرين غير متوفرة للإنقاذ ولكن الجميع يترفع عن ذلك من أجل الوطن وينادي بالحوار السياسي والتسوية السياسية التي تضمن سلامة واستقرار الوطن والمواطن ولكن لغة التحدي تجر الآخرين في بعض المرات مجاراتها رغم الاعتقاد أن التجيش والتعبئة السالبة ليست في مصلحة الوطن والمواطن.القضية المهمة الأخرى أن رفع الشريعة شعارا سياسيا يفقدها قدسيتها تماما ومكانتها في النفوس نحن نريد الدين و الشريعة أن تكون مجري الدم في العروق و لا نريد لها أن تفقد قدسيتها ولكن الرسائل التي يرسلها الرئيس دائما يجعلها أداة فقط للصراع السياسي ويحاول أن يجردها من هيبتها ومكانتها عند الناس فالشريعة التي يشير أليها الرئيس البشير هي الحدود والناس تريد أن يكون الدين هو المعاملة ” لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك” ” وجادلهم بالتي هي أحسن” فطوال الحادي و العشرين سنة لم اسمع من الرئيس البشير قولا يهتدي بتلك الآيتين أنما كل الحديث عليكم بالغسل عليكم بحمل السلاح عليكم و عليكم ……!

أن أحداث تونس جعلت في الوطن العربي و العالم الإسلامي واقعا جديدا أن حركة الجماهير وأرادتها بعد الله فوق كل شيء ” قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممن تشاء و تعز من تشاء و تذل من تشاء و بيدك الخير أنك علي كل شيء قدير” و لا يعتقد المرء أن حكمه سوف يخلد فيه أنما هو زائل إذا لم يكن بالسلطة فالموت في الرقاب فأفضل للمرء أن يستنه سنة حسنة تهدي القوم للأمن و السلام بدلا من الحرب و النزاع ” فإذا دعتك قدرتك علي ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك” نطلب لكم ولأنفسنا الهداية و الله الموفق.

Leave a Reply

Your email address will not be published.