الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 22 آذار (مارس) 2021

خطاب "ما أريكم إلا ما أرى" الاقتصادي للحكومة الانتقالية (4)

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : حسام عثمان محجوب
husamom@yahoo.com

خصائص خطاب البدوي

ومن خصائص خطاب البدوي ومريديه، تبخيس قدر اللجنة الاقتصادية حتى يخيّل لغير العارفين أنها مجموعة من الجهلاء والمهرجين. وتبدو المخادعة في هذا المستوى من الخطاب، أن الدكتور إبراهيم البدوي يتجاهل ــ عن عمد ــ ذكر أن من أشرس منتقدي برنامجه علماء اقتصاد من خارج اللجنة، يأتون من نفس خلفيته الأكاديمية والمهنية، وعلى رأسهم الدكتور التجاني الطيب إبراهيم، الخبير الاقتصادي، الذي عمل عقوداً في البنك الدولي وصندوق النقد، واختاره آخر رئيس وزراء منتخب، الإمام الراحل الصادق المهدي، وزيراً للدولة في وزارة المالية في الديمقراطية الثالثة، والذي ظل ــ بدأب كبير ــ يقدم النصائح والتحذيرات والانتقادات لبرنامج البدوي منذ أيامه الأولى، عن معرفة واسعة وعميقة، وما زال، ويمكن للقراء الرجوع لمقالاته وحواراته ليروا تحقق توقعاته هو والاقتصاديين الأجلاء والعلماء د. علي عبدالقادر، ود. صديق أمبده، ود. معتصم الأقرع، ود. بكري الجاك المدني ود. خالد التجاني، الذين واصلوا الكتابة والحديث عن خطورة البرنامج وافتراضاته وتطبيقه، أو انتقدوا بعض جوانبه المهمة. كما أن اللجنة الاقتصادية، رغم غلبة الصوت العالي غير المفيد لبعض أعضائها إعلامياً، ورغم تعدد مدارس أعضائها الاقتصادية والفكرية والسياسية، بها عدد مقدر من علماء الاقتصاد، الذين يعلمون واقع السودان أكثر بكثير من معرفة د. البدوي ود. حمدوك، كما اتضح للمواطن العادي من واقعهم المعاش، ناهيك عن الاقتصاديين المحترفين. تكررت الاتهامات للجنة الاقتصادية ولمنتقدي البرنامج، بأنهم يجيدون الانتقاد ولا يقدمون الحلول، ولا يملكون برنامجاً متكاملاً. وفي ذلك برع الدكتور البدوي في تسمية برنامج اللجنة الاقتصادي بالرؤية القطاعية البديلة، تقليلاً له، في مقابل برنامجه الذي يهدف لإصلاح الاقتصاد الكلي. وقد ذكر عدد من أعضاء اللجنة الاقتصادية، أنهم تقدموا ببرنامج متكامل، وأن وزارة المالية والحكومة لم تقدما لهم المعلومات المطلوبة ليكون برنامجهم أكثر تفصيلاً، وهذا خلل يتحمله رئيس الوزراء الانتقالي ووزير المالية وقيادة قوى إعلان الحرية والتغيير. وقد تكررت وتواصلت هذه الممارسة وظهرت بأوضح شكل في إعداد موازنة 2021، حين تحدث عدد من ممثلي الأجسام المعتبرة والمسؤولة عن عدم إشراكهم، أو عن إخفاء كثير من المعلومات عنهم، أو عدم إطلاعهم على النسخة الختامية للموازنة قبل إجازتها.

ويستعمل الدكتور إبراهيم البدوي حيلة أخرى معروفة في تحليل الخطاب، هي اقتطاع جزء من خطاب الخصم وتفسيره وإثبات خطله، للتدليل على معرفته وإحاطته بالخطاب البديل وبعدم جدواه. في ذلك كثيراً ما يذكر البدوي اقتراح الدكتور صدقي كبلو، بوقف استيراد بعض السلع الكمالية لتوفير النقد الأجنبي الذي يفقده السودان بشرائها، ويذكر أن هناك دراسة أجريت أثبتت أن هذا المبلغ بسيط يقدر بـ 1.3 مليار دولار، والحقيقة أن هذا مبلغ كبير كنسبة من عائد الصادرات من العملات الأجنبية، أو كنسبة من فاتورة الواردات، أو إذا ما أخذ ضمن حزمة برامج متكاملة، ولكن د. البدوي يرفضه ببساطة وبتعالٍ "شحات وبيتشرط!"، ولا حتى كعامل مساعد يمكن أن يدخل ضمن برنامجه طالما كانت هذه السلع كمالية، ولن يخرج الشعب ليتظاهر إن غابت عن أسواقه ضحى الغد.

القصف بالمعلومات والأوراق البحثية

من التكتيكات المعروفة في التواصل مع الجماهير أيضاً، الإغراق بالمعلومات، وما أسهل هذا في عصرنا؛ يتحدث الدكتور إبراهيم البدوي في ورقته الأخيرة عن دراسة أوضحت نجاح تجربة الدعم المالي المباشر في ستة وخمسين برنامجاً، دون تفاصيل توضح الفروق بينها وبين الواقع السوداني، بينما يكرر الحديث الانتقائي فيما يشبه قطف الكرز (cherry picking) عن نجاحها في إحدى مناطق كينيا وفي البرازيل، أو عن نجاح تشيلي في تعويم العملة، دون أن يوضح مثلاً أن تجربة كينيا كانت تقتضي منح كل فرد ما يقارب 18 دولاراً في الشهر، لا 5 دولارات، كما هو مخطط في السودان، ودون أن يوضح أن برازيل لولا دا سيلفا التي طبقت هذه التجربة، قدمت نموذجاً مختلفاً ذا صبغة اشتراكية، ساد فيها التفاوض بندية مع مؤسسات التمويل الدولية، وأن هذا البرنامج كان واحداً من حزمة كبيرة من الإصلاحات التي انحازت للفقراء.

ولا يذكر الدكتور إبراهيم أنه رغم بعض التنازلات؛ للبنك والصندوق في برنامجه، فإن ذلك لم يشفع له ولا لخليفته ديلما روسيف، وكان تآمر المجتمع الدولي على التجربة صارخاً، وكأنه قرر تقديمها قرباناً تحذيرياً لمن تراوده نفسه بتكرارها، حتى أسقط التآمر لولا وديلما، وانتهت البرازيل تحت حكم اليمين المتطرف، النيوليبرالي، الشعبوي، شبه الفاشي. ودون أن يوضح البدوي أيضاً أن البرنامج الاقتصادي للحكومة التشيلية، ووجه بمعارضة جماهيرية واسعة النطاق، لما نتج عنه من زيادة في عدم المساواة الاقتصادية. كما قادت المعارضة للإسراع بإقرار دستور جديد في البلاد، ولمزيد من تنظيم الصفوف لمواجهة البرنامج.

المثال الآخر لذلك، هو حديث د. البدوي ود. حمدوك عن فيتنام (ودكتور البدوي منفرداً عن الصين)، وهما دولتان أسستا نظامين اشتراكيين في القرن الماضي، ركزا على تأسيس بنى تحتية وبشرية متينة، بعد تاريخ حافل من الثورة والنضال وملايين الضحايا، ثم اتجهت الدولتان للتعامل مع مؤسستي بريتون وودز والأسواق العالمية في العقود الأخيرة من موقع شديد الاستقلالية، وحسب احتياجاتهما الخاصة، لا وصفات جاهزة في رفوف مؤسسات الخارج.

ما يتجاهله الدكتور في التجربتين أنهما انطلقتا من مواقع مستقلة في التعامل مع البنك وصندوق النقد الدوليين، وليس من منطلق التبعية المطلقة التي يدعوان لها في حالة السودان. ونفس الأمر ينطبق على المثال الإثيوبي الذي يكررانه، فرغم فشل نظام الدرق الاشتراكي في تحقيق نفس مستوى تطور الصين أو فيتنام في البنى التحتية والبشرية، إلا أن تعامل نظام مليس زيناوي مع البنك والصندوق الدوليين، يصلح مثالاً مدرسياً نموذجياً للتعامل معهما من مواقع مستقلة تعرف تماماً ما تريد، وتفاوض للحصول عليه.

نواصل


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

هلا عدنا إلى نقطة البداية 2021-04-18 18:20:31 بقلم : محمد عتيق وضع رئيس الفترة الانتقالية خطوطاً لبرنامج حكومته وجعل من الموافقة عليها بالتوقيع شرطاً للانضمام إليها ! أي أن من رشحتهم قحت (مجازاً) لعضوية الحكومة لا يعتمدهم السيد حمدوك وزراء عنده إلا إذا وافقوا على (...)

الموكب النسوي -لا يمكن الاختباء من رياح التغيير 2021-04-15 18:04:42 بقلم : هالة الكارب السودان بلدٌ شديدُ التسيُّس والاستقطاب، بلدٌ يعشَقُ أهلُه النقاشات والجدل؛ ما كان ولايزال مظهرًا يوميًّا في حياتنا، رجالًا ونساءً. إلَّا أنَّه ورغم كثرة الكلام وعشق النقاش الذي أثرى مجتمعاتنا، يظل (...)

فلنتواجه 2021-04-12 19:08:45 بقلم : محمد عتيق الآن ، الآن ، أصبح لزاماً علينا مواجهة الواقع كما هو ، كما هو ، خاصةً بعد أن : •• أصبحت الحياة جحيماً حقيقياً في بلادنا دون أسباب منطقية لقسوتها هذه سوى أنها نتاج للسياسات الاقتصادية المعادية للوطن (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)

تفكُّك الدَّولة السُّودانية: السِّيناريو الأكثر تَرجيحاً

2013-02-10 19:52:47 بقلم د. الواثق كمير kameir@yahoo.com مقدمة 1. تظل الأزمات السياسية المتلاحقة هي السمة الرئيس والمميِّزة للفترة الانتقالية منذ انطلاقها في يوليو 2005، في أعقاب إبرام اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان ممثلة في حزب (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

تصريح حول الجهود الجارية لترشيح الأستاذ أحمد حسين ادم لمنصب مفوض مفوضية السلام 2021-03-28 05:02:54 التاريخ : 13/ شعبان/1442 هـ الموافق :27 /03/2021 متجمع منظمات المجتمع المدني بالداخل و الخارج تصريح صحفي بناءً علي انتظام منظمات المجتمع المدني في مبادرة ترشيح الأستاذ أحمد حسين لمفوضية السلام وتداعي عدد كبير من (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)


المزيد


Copyright © 2003-2021 SudanTribune - All rights reserved.