الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2021

المهادنة المخزية

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

JPEG - 21.9 كيلوبايت
محمد عتيق

صحيحٌ أن لشرق السودان قضاياه وشكاواه الحقيقية المزمنة ، والصحيحُ أيضاً أن لأقاليم السودان الأخرى قضاياها وشكاواها الحقيقية المزمنة.

وكما يسكن السلُّ والفقر والجهل انسان الشرق ، يسكن الفقر والتهميش (المادي والمعنوي) إنسان السودان في كل مكان .. بمعنى أن البلاد كلها تعاني الإهمال والعوز ، أو كما وصفها مفكرون متميزون منذ أكثر من نصف قرن ، أننا "نعيش أزمةً وطنيةً شاملةً وممتدةً منذ الاستقلال" ، فالآباء المؤسسون الذين نذكرهم مطلع كل عام بالإجلال والاحترام ، والذين قادوا الفترات الديمقراطية كلها (56- 1958، 64- 1969، 85- 1989) كان السودان بالنسبة لهم هو الخرطوم وود مدني وغيرها من المدن الكبيرة ، والديمقراطية الليبرالية وكأنها تعني فقط إجراء الانتخابات العامة، حبْك المناورات ، التراشق شعراً ونثراً في البرلمان ، وتدبير المفاجآت والتنافس الذاتي حول المناصب ومواقع النفوذ :

- لم يدركوا أن ما تذخر به البلاد من تعدُّدٍ في الأعراق والثقافات والمعتقدات هي مصدر قوَّتها الحقيقية إذا ما أحسنوا فهمها وقاموا برعايتها وطنيّاً وتنميتها اقتصادياً وانسانياً بما يتناسب مع مقوِّمات كل إقليم ومزاياه ، فتتكامل للاندماج الوطني أركانه على طريق الوحدة والاستقرار ..
- غاب عنهم الاستمرار في التنمية ، مثلاً في المجال الزراعي ؛ بتطوير المشاريع التي أقامها المستعمر وتأسيس غيرها، ولا التخطيط لإنشاء صناعة مرافقة أو تطوير البنى التحتيّة في الكهرباء والطرق ووسائل النقل ، أو رؤىً للنهوض بمناهج التربية والتعليم وبناء رأس المال البشرى…الخ..الخ

كان المستعمر البريطاني قد أسّسَ بعض البنيات والمشروعات المعقولة (ولو لمصلحة صناعاته في لانكشاير وليفربول وغيرها) ، وبنى جهازاً جيداً للخدمة الحكومية مدنياً وعسكرياً ، ولذلك عاش جيل الاستقلال والجيل الذي تلاه الحياة بآمالٍ عريضةٍ في المستقبل تحدوهم ونفوسٍ سعيدةٍ مطمئنة بالحال ، فالاقتصاد يبدو جيداً ومستقراً ، والتعليم وكافة الخدمات معقولة ، فازدهرت الحركة الثقافية بكل ضروبها وتتالت أجيالها من لدُن العباسي والبنا وخليل فرح إلى التجاني وجمّاع والطيب صالح والصلحي ، ومن الحاج سرور إلى محمد وردي…الخ وإلى جيل الشباب الذين ادهشُوا العربية وهم في مقاعد الدرس بقيادة أميريْهم محمد عبدالحي ومحمد المكي إبراهيم ، وغيرهم ممّن شكّلوا وجدان السودانيين وأثْروا حياتهم أدباً وفنّاً .. غير أنّ كل ذلك كان بقوة الدفع التي خلقتها أحداثٌ وطنيةٌ هامة مثل ثورة 1924، مؤتمر الخريجين ، الاستقلال ، ومشروعات الحكم البريطاني الخدَمِيّة والزراعية .. كل ذلك كان محصوراً في العاصمة وبعض المدن الكبيرة ، أمّا إنسان الريف والمجموعات السكّانية المختلفة فقد كانت مُهْمَلَة لا يكون الالتفات إليها إلا في المواسم الانتخابية أو عند زيارة القائد المُلْهَم !! إلى أن إخترقت حركة الإسلام السياسي(الإخوان المسلمين) النفوذ الطائفي التقليدي (الأنصار والختمية) بشعارات الدستور الإسلامي والجمهورية الرئاسية وتسلّلَتْ إلى مقررات المناهج الثانوية كتب الأخوين محمد وسيد قطب فانبثق من بينها (بيننا كلنا) العهد الغيهب ، عهد (الإنقاذ) الذي دمَّرَ كل شيء ومزّقَ المُمَزَّق وأفسد الحياة فساداً لا فساد بعده ..

هذا من حيث أن المطالبة بحقوق الإقليم الشرقي وأهله لا تنفصل عن المطالبة بحقوق كل السودانيين ومناطقهم ، أمّا في الذي جرى (تحت لافتة المطالبة بحقوق الشرق) من إغلاقٍ لموانئ البلاد وقطعٍ للطرق القومية فهي جرائم جنائية لا جدال فيها يتحمّلَها سيادة الناظر ترك منفرداً لأن الذين نفّذوا له ما أراد قومٌ بسطاء يخضعون لسطوة قيادتهم (ناظرهم) ، كذلك يتحمّل الوِزْرَ معه كل الذين ربَّتُوا على كتفيه وهم (يتغَنُّون) بمطالب الشرق في استجداءٍ مُخْزٍ لمن هو في حقيقة الأمر كاذبٌ ومجرم . فإذا كان أمر المكوِّن العسكري واضحاً ومحسوماً ، فإن المكون المدني قد كشف - بموقفه المهادن - حجم أزمتنا لأنه لا مجال هنا للتساهل مع الجرائم الجنائية خاصةً الكبيرة المتعلِّقة بحياة الناس ومصالح البلاد ، ولا مجال لتأجيل المعركة بحجة مواجهة الخطر الأكبر المشترك (اللجنة العسكرية وأعوان النظام الساقط وحلفاءه) لأن الحكومة المدنية وأحزابها قد انتهجوا طريقاً أخطر من جريمة الناظر ترك ؛ امتثلوا لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية ، الشروط التي تسحق الشعوب وتنهب ثرواتها ..


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

أمامنا المزيد من العقبات 2021-10-24 19:16:38 بقلم : محمد عتيق محمد عتيق حقائق ناصعة تجلّت في خروج الخميس (٢١ اكتوبر ٢٠٢١) وهي ؛ أن شعب السودان لن يكُفَّ عن نسج الملاحم وتقديم الشهداء والجرحى من أجمل أبنائه على طريق الحرية والسلام والعدالة والحياة المدنية المزدهرة ، (...)

ماذا يفعل السيد بيرتس في الخرطوم ؟ 2021-10-19 17:13:21 بقلم : العبيد أحمد مروح (1) العبيد مروح كان يمكن للأزمة المتصاعدة هذه الأيام بين طرفي "الحرية والتغيير" أن لا تقوم أصلاً أو أن تنتهي قبل أن تصل إلى الحد الذي وصلته، لو أن بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الفترة (...)

من مآزق الحركة السياسية 2021-10-17 17:08:05 بقلم : محمد عتيق محمد عتيق نفس الشعارات والعبارات ؛ نردد ليل نهار : حرية سلام وعدالة الثورة خيار الشعب .. ونتحدث عن التحول الديمقراطي ومدنية الدولة .. نتغَنَّى بعظَمَةْ الثورة وسلميتها المُبْهِرَة ، نسرد قصص البطولة (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)

تفكُّك الدَّولة السُّودانية: السِّيناريو الأكثر تَرجيحاً

2013-02-10 19:52:47 بقلم د. الواثق كمير kameir@yahoo.com مقدمة 1. تظل الأزمات السياسية المتلاحقة هي السمة الرئيس والمميِّزة للفترة الانتقالية منذ انطلاقها في يوليو 2005، في أعقاب إبرام اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان ممثلة في حزب (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

تصريح حول الجهود الجارية لترشيح الأستاذ أحمد حسين ادم لمنصب مفوض مفوضية السلام 2021-03-28 05:02:54 التاريخ : 13/ شعبان/1442 هـ الموافق :27 /03/2021 متجمع منظمات المجتمع المدني بالداخل و الخارج تصريح صحفي بناءً علي انتظام منظمات المجتمع المدني في مبادرة ترشيح الأستاذ أحمد حسين لمفوضية السلام وتداعي عدد كبير من (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)


المزيد


Copyright © 2003-2021 SudanTribune - All rights reserved.