الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2021

أزمة الأحزاب في السودان

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : أمير بابكر

انشغالي بأزمة الشرق خلال الأسابيع الماضية، اضطرتني للاتصال بأطراف عديدة منها من يمثل حزبا سياسيا وآخر يمثل مكونا اجتماعيا وأهليا وكذلك بمن لا يمثل هذا أو ذاك ويعمل في إطار النشاط المدني الطوعي.

وفي إطار البحث عن تكوين رؤية موضوعية واستكشاف إمكانية المساهمة في طرح حلول بدلا عن الوقوف على الرصيف أو الاكتفاء بالانخراط في سوق منصات التواصل الاجتماعي، كان لا بد من قراءة للميدان الذي تجري داخله الأحداث من كافة زواياه.

اول نتائج تلك القراءة هي مدى عمق الأزمة التي تعيشها الأحزاب السودانية، والتي دائما ما تحاول الهروب منها للأمام، والمتمثلة في عدم قدرتها على دفع إستحقاقات العمل السياسي الذي يتطلب الرؤى والصبر والمثابرة وتطوير أدوات العمل من أجل نشر الوعي واتساع رقعة مفاهيم العمل السياسي المدني، واكتفائها من غنيمة الظفر بوضع ركائز الدولة المدنية بالإياب إلى مضارب القبلية والمكونات الاجتماعية وتكريس قوتها ومد أجلها كمؤثر فاعل في المشهد السياسي.

قلت أثناء النقاش مع بعض من الذين اتصلت بهم، إن الأزمة مظهرها سياسي ولكن جوهرها اجتماعي. وتلك حقيقة اذا ما نفذنا إلى العمق، ففي كل المكونات القبلية في الشرق هناك من ينتمون إلى الأحزاب السودانية يمينها ووسطها ويسارها، قل عددهم أم كثر، ولكنهم في قمة الأزمة، بل منذ بدايتها، إما أعلنوا عن انحيازهم لمكوناتهم الاجتماعية او اكتفوا بالصمت المتواطئ، دون أن يكون لرؤى احزابهم أي تأثير في ما يجري لصالح التطور السياسي المدني داخل هذه المكونات وبالتالي فعالية تلك العضوية في طرح حلول موضوعية والتأثير على مراكز صنع القرار داخل تلك المكونات.

وهذا الأمر ينطبق حتى على الحزب السياسي الواحد الحاكم في ظل النظم الشمولية، فالمؤتمر الوطني المحلول، نموذجا، فشل فشلا زريعا في تطويع المكونات القبلية رغم سطوته والفترة الزمنية الطويلة التي أحكم فيها قبضته على مقاليد الحكم في البلاد.
وإذا ما عدنا للوراء أكثر، فمند تأسيس الحركة السياسية الحديثة في السودان، نجد أن المكون الطائفي او الاجتماعي هو المؤثر الفعلي على المشهد السياسي والشاطر من الأحزاب هو القادر على نيل رضائه سواء بالمال أو بالمناصب، دون اجتهاد كبير، وهو ما يبدو أكثر سهولة في ظل نظام حكم الحزب الواحد.

ويمكن الاستدلال على ذلك أيضا في التاريخ المعاصر للسودان ما قبل استقلال دولة جنوب السودان، بالحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل دكتور جون قرنق، والتي على الرغم من تقدمية أطروحاتها السياسية إلا أنها اعتمدت على تجييش المكونات الاجتماعية في بناء قاعدتها العسكرية والسياسية الأمر الذي كان له تداعياته الكارثية بعد الاستقلال، بل وقبله أثناء تمرد بعض القيادات المستنيرة في قمة الهرم وخروجها بمكونها القبلي.

كنت أتوقع أن تساهم الأحزاب السياسية بفعالية اكثر، عبر عضويتها في المكونات الاجتماعية وافرعها بالشرق، في طرح رؤى تنفذ إلى عمق الأزمة وهي تلك المرتبطة بتجذير المفاهيم المدنية وتطويرها وأن تعقد مؤتمرا موحدا لعضويتها المفرق دمها بين القبائل للالتفاف حول قضايا الشرق المتفق عليها والانتقال بالصراع إلى مربع أكثر تقدما.

بالتأكيد ستنتهي الأزمة الحالية، ولكن ستبقى أزمة الأحزاب السياسية قائمة طالما هي غير قادرة على الخروج من مركزيتها، ومركزية الدولة من مركزية تلك الأحزاب التي في وثائقها تنادي بلا مركزية الحكم. وكما يقال، فاقد الشيء لا يعطيه.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

أمامنا المزيد من العقبات 2021-10-24 19:16:38 بقلم : محمد عتيق محمد عتيق حقائق ناصعة تجلّت في خروج الخميس (٢١ اكتوبر ٢٠٢١) وهي ؛ أن شعب السودان لن يكُفَّ عن نسج الملاحم وتقديم الشهداء والجرحى من أجمل أبنائه على طريق الحرية والسلام والعدالة والحياة المدنية المزدهرة ، (...)

ماذا يفعل السيد بيرتس في الخرطوم ؟ 2021-10-19 17:13:21 بقلم : العبيد أحمد مروح (1) العبيد مروح كان يمكن للأزمة المتصاعدة هذه الأيام بين طرفي "الحرية والتغيير" أن لا تقوم أصلاً أو أن تنتهي قبل أن تصل إلى الحد الذي وصلته، لو أن بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الفترة (...)

من مآزق الحركة السياسية 2021-10-17 17:08:05 بقلم : محمد عتيق محمد عتيق نفس الشعارات والعبارات ؛ نردد ليل نهار : حرية سلام وعدالة الثورة خيار الشعب .. ونتحدث عن التحول الديمقراطي ومدنية الدولة .. نتغَنَّى بعظَمَةْ الثورة وسلميتها المُبْهِرَة ، نسرد قصص البطولة (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)

تفكُّك الدَّولة السُّودانية: السِّيناريو الأكثر تَرجيحاً

2013-02-10 19:52:47 بقلم د. الواثق كمير kameir@yahoo.com مقدمة 1. تظل الأزمات السياسية المتلاحقة هي السمة الرئيس والمميِّزة للفترة الانتقالية منذ انطلاقها في يوليو 2005، في أعقاب إبرام اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان ممثلة في حزب (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

تصريح حول الجهود الجارية لترشيح الأستاذ أحمد حسين ادم لمنصب مفوض مفوضية السلام 2021-03-28 05:02:54 التاريخ : 13/ شعبان/1442 هـ الموافق :27 /03/2021 متجمع منظمات المجتمع المدني بالداخل و الخارج تصريح صحفي بناءً علي انتظام منظمات المجتمع المدني في مبادرة ترشيح الأستاذ أحمد حسين لمفوضية السلام وتداعي عدد كبير من (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)


المزيد


Copyright © 2003-2021 SudanTribune - All rights reserved.